موت الأم وشر زوجي
أتخيل إني هسمعها بتنادي عليّا إيمان يا بنتي، لكن مفيش غير الفراغ.
هبة كانت منهارة، وأنا كنت بحاول أتماسك عشانها بس الحقيقة إننا كنا الاتنين مكسورين. الفرق بس إني قررت المرة دي ما أكسرش نفسي بإيدي تاني.
ياسين فضل يتصل في الأول تجاهلت. بعدين بعت رسايل
إنتي بتعملي كده عشان موقف؟
كبرتي الموضوع أوي.
ارجعي وخلينا نفتح صفحة جديدة.
كنت بقرأ وأسكت لحد ما في يوم بعت رسالة مختلفة
إيمان أنا اتفصلت من الشغل.
وقتها بس حسيت إن الدنيا بدأت ترد جزء من حقي. مش شماتة والله ما كانت شماتة، بس كان إحساس بالعدل. نفس اللي استهان بوجعي، الحياة استهانت بيه.
رديت عليه لأول مرة
كل واحد بيشيل نتيجة أفعاله.
سكت بعدها يومين وبعدين جه بنفسه.
واقف على باب بيت أمي شكله متغير، تعبان، عينه فيها خوف عمره ما بان عليه قبل كده.
قال بصوت واطي
أنا غلطت.
وقفت قدامه، ساكتة مستنية يكمل.
أنا عمري ما تخيلت إنك ممكن تمشي ولا إن الموضوع يوصل لكده.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس مش سخرية كانت وجع قديم بيتقفل
وأنا عمري ما تخيلت إنك ممكن تمنعني أودع أمي.
سكت وملاقاش رد.
حاول يقرب خطوة
طب خلينا نرجع نبدأ من جديد.
هنا حسيت بحاجة غريبة مش غضب ولا حزن ولا حتى حب.
ولا حاجة.
قلت له بهدوء
إحنا خلصنا يا ياسين.
صوته علي
بسهولة كده؟!
بصيت له جامد
لا مش بسهولة. أنا استحملت سنين عشان أوصل للقرار ده. اللي حصل ده كان بس آخر نقطة.
هبة كانت واقفة ورايا، مسكت إيدي كأنها بتدعمني ويمكن بتستمد مني قوة.
ياسين بدأ يتعصب
يعني هتكسري بيتي؟!
ضحكت ضحكة موجوعة
بيت؟ هو كان فيه بيت؟
سكت تاني وبان عليه إنه بدأ يفهم بس متأخر.
مشِي
عدّت شهور وبدأت أبني حياتي من أول وجديد. اشتغلت في مكان بسيط في الأول، وبعدين واحدة من ضيوف الليلة المشؤومةالست اللي حضنتنيرشحتني لشغل أحسن. كانت فاكرة موقفي ومقدّرة قوتي.
الدنيا ابتدت تفتح باب ورا باب.
اتعلمت أعتمد على نفسي أخرج أضحك من قلبي حتى لو على حاجات صغيرة. بقيت أعرف قيمة نفسي وأحط حدود أول مرة في حياتي.
وفي يوم وأنا قاعدة في الشغل، لقيت حد واقف قدامي.
رفعت عيني لقيته أستاذ رأفت.
ابتسم وقال
كنت متوقع أشوفك في مكان أحسن من كده بكتير.
ابتسمت
ده بداية بس.
قعد شوية، وسأل عني وعن هبة وبعدها قال
أنا كنت معجب بقوتك يومها مش كل الناس تقدر تاخد القرار اللي إنتي خدتيه.
رديت بهدوء
أنا اتأخرت فيه بس أخدته في الوقت الصح.
عرض عليا فرصة شغل في مكان أكبر وقال إنهم محتاجين
وافقت مش بس عشان الشغل لكن عشان حسيت إن الحياة بتعوضني.
وفي يوم من الأيام كنت راجعة البيت، شفت ياسين بالصدفة.
واقف قدام قهوة هدومه عادية مفيش الهالة اللي كان عاملها لنفسه زمان. شافني واتجمد.
قرب بس المرة دي بهدوء
إيمان إزيك؟
قلت
كويسة.
بصلي شوية وقال
أنا خسرت كل حاجة.
بصيت له بثبات
لا إنت خسرت نفسك من زمان.
سكت وبان عليه إنه فهم.
كمل كلامه بصوت مكسور
مفيش يوم بيعدي غير لما أفتكر اللي حصل وندمت.
قلت له آخر جملة بينا
الندم مش بيغير الماضي بس ممكن يعلمك للمستقبل.
ومشيت.
الليلة اللي بدأت بوفاة أمي كانت نهاية حياة كاملة وبداية حياة تانية.
اتعلمت إن الكرامة مش رفاهية دي أساس.
وإن اللي ما يحسش بوجعك ما يستاهلش فرحتك.
وإن أوقات، أكبر خسارة بتكون هي أعظم إنقاذ.
وبقيت
أهو أنا رجعت لنفسي تاني ومش هضيعها أبداً.