المظلومة
عبلة الشاذلي وقفت قدام البوابة الحديد التقيلة وهي بتحاول تستوعب إن المكان اللي خرجت منه دلوقتي مش مجرد سجن ده كان عمر كامل اتسحب منها حتة حتة، عشرين سنة اتدفنوا جوه جدران عالية وأسلاك شائكة، عشرين سنة كانت كل يوم فيها بتعدي عليها أبطأ من اللي قبله، وكل ليلة كانت بتنام فيها وهي بتسأل نفسها نفس السؤال ليه يا نهى؟
خرجت وهي مش مصدقة إن الشمس لسه بتطلع بنفس الشكل، وإن الهوا لسه له ريحة، وإن الدنيا مكملتش وقفت من غيرها بس الحقيقة المؤلمة إنها هي اللي وقفت، هي اللي الزمن سبقها وسابها ورا.
ركبت ميكروباص بالعافية، إيدها بتترعش وهي بتعد الفلوس، 47 جنيه بس السواق بص لها بقرف وقال لها
مافيش فكة؟
هزت راسها بالنفي وسكتت كانت حاسة إنها مش بس فقيرة، دي بقت غريبة حتى عن نفسها.
طول الطريق كانت بتبص من الشباك، كل حاجة اتغيرت العمارات عليت، المحلات كترت، الناس شكلها اختلف بس قلبها كان لسه متعلق بحاجة واحدة البيت.
بيت رفعت البيت اللي كان فيه ضحكهم، قهوتهم الصبح، صوت المنشار، ريحة الخشب، والمراية اللي كانت بتقف قدامها كل يوم قبل ما تنزل المدرسة كل ركن
لما وصلت الباجور، رجليها ما كانتش شايلة نفسها، بس قلبها كان بيجري جري سنين.
وقفت قدام البيت وساعتها الزمن فعلاً وقف.
فيلا نهى الشاذلي
الكلمة خبطت في صدرها زي طوبة لا مش طوبة زي قبر بيتقفل عليها تاني.
قربت خطوة اتنين وهي بتبص حوالين نفسها كأنها مستنية حد يقول لها إن ده كابوس إن ده مش بيتها بس الحقيقة كانت واضحة زيادة عن اللزوم.
الباب اتفتح وخرجت واحدة ست متشيكة، لابسة هدوم عبلة عرفتها فورًا.
دي بلوزتي
همست بيها بصوت مكسور.
الست بصت لها من فوق لتحت وقالت ببرود
عايزة مين يا حاجة؟
عبلة بلعت ريقها بالعافية وقالت
أنا أنا عبلة صاحبة البيت ده
الست ضحكت ضحكة صغيرة فيها استهزاء
لا يا حجة شكلك غلطانة البيت ده بتاع مدام نهى.
وفي اللحظة دي خرجت نهى.
نفس الوش بس متغير متشبع فلوس، متشبع قوة، متشبع قسوة.
بصت لعبلة ثانيتين وبعدين ابتسمت ابتسامة باردة جدًا.
آه رجعتي؟
الصوت كان عادي عادي بشكل يخوف.
عبلة قربت منها خطوة، دموعها نازلة من غير صوت
ليه يا نهى؟ عملتي فيا كده ليه؟
نهى حطت إيدها على باب الفيلا وقالت بهدوء مستفز
عشان
الكلمة كانت كفيلة تكسر حاجة جوه عبلة حاجة عمرها ما كانت تتخيل إنها تتكسر.
أنا ضحيت عشانك
قالتها عبلة وهي بتنهار.
نهى ضحكت ضحكة صريحة المرة دي
ضحّيتي؟ لا يا حبيبتي انتي اتغفلتي.
الناس بدأت تتلم همس نظرات
واحد قال دي الست اللي اتسجنت
واحدة قالت بيقولوا كانت نصابة
عبلة حست إن الأرض بتتسحب من تحتها مش بس اتسرق بيتها ده سمعتها كمان اتدفنت.
نهى قربت منها وهمست في ودنها
لو ما مشيتيش دلوقتي هقول للناس إنك مجنونة وهطلب لك البوليس ومحدش هيقف في صفك.
الصمت وقع تقيل.
عبلة بصت حواليها على البيت على الشباك اللي كانت بتقف فيه على الجنينة اللي كانت بتزرع فيها على باب كانت داخلاه كل يوم وهي مطمنة
وبعدين حصل حاجة محدش توقعها.
عبلة بطلت تعيط.
رفعت راسها ومسحت دموعها بإيد بتترعش بس عينيها عينيها كانت ثابتة لأول مرة.
أنا هرجع.
نهى ضحكت
ترجعي فين؟ ده أنا بعت كل حاجة باسم
أنا هرجع.
قالتها عبلة تاني بس المرة دي بصوت أهدى أقوى أخطر.
وسابت المكان ومشيت.
عدى أسبوع اتنين تلاتة.
الناس نسيت عبلة أو افتكرت إنها فعلاً مجنونة.
بس اللي محدش
راحت لمدرسة قديمة قابلت طالبة كانت بتدرس عندها وبقت محامية.
راحت لواحد كان صاحب رفعت نجار كبير لسه فاكر جميله.
راحت لموظف قديم في الشهر العقاري كان مدين لها بوقفة قديمة.
واحدة واحدة الخيوط بدأت تظهر.
التوكيلات التزوير التنازلات
كل حاجة كانت متقفلة بإحكام بس مش كاملة.
نهى كانت شاطرة بس مغرورة.
وفي يوم بعد شهرين عربية وقفت قدام الفيلا.
نزلت منها عبلة بس مش لوحدها.
معاها محامية ومعاها أوراق ومعاها قوة محدش شافها قبل كده.
نهى خرجت وهي متضايقة
في إيه؟
المحامية اتكلمت بهدوء
في بلاغ بتزوير واستيلاء على ممتلكات وفي أمر ضبط وإحضار.
وش نهى اتسحب
أول مرة الخوف يظهر.
عبلة بصتلها نفس النظرة اللي كانت عندها يوم ما قالت أنا هرجع.
فاكرة لما قولتيلي اتغفلتي؟
سكتت لحظة
الدور عليكي.
والناس اتلمت تاني بس المرة دي الهمس كان مختلف.
دي رجعت حقها
دي ست جدعة
دي مظلومة
ونهى اتحبست.
بعد شهور
عبلة كانت قاعدة في الجنينة نفس المكان نفس الكرسي القديم اللي اتصلح بإيد نجار من تلامذة رفعت.
الشمس كانت دافية والهوا هادي
ومفيش صوت غير
مكنتش رجعت زي زمان ولا الزمن رجع ورا
بس حاجة واحدة رجعت.