المظلومة

لمحة نيوز


كرامتها.
ولأول مرة من 20 سنة نامت وهي مطمنة.
الشمس كانت بتميل للغروب، وضهر الجنينة اتلون بلون دهبي هادي، وعبلة قاعدة على نفس الكرسي الخشب اللي اتصلّح بإيد واحد من صبيان رفعت، بإيدين كانت بتترعش زمان من الضعف لكن دلوقتي بترتعش من تعب السنين بس، مش من الهزيمة. قدامها فنجان شاي دافي، وكتاب قديم من كتبها اللي كانت فاكرة إنه ضاع، لكن لقته في صندوق متشال في المخزن، عليه تراب سنين مسحته بإيدها كأنها بتمسح عن نفسها عمر كامل.
بس الراحة ماكنتش كاملة لأن الوجع اللي عاش جواها عشرين سنة، ما بيخرجش بسهولة.
ليلها بقى مختلف كانت تنام، وفجأة تصحى مفزوعة على صوت باب زنزانة بيتقفل، أو صوت ست بتعيط في آخر الطرقة، أو حتى صوت خطوات عسكري كانت بتفتح عينيها تلاقي نفسها في أوضتها، سقفها، ريحة بيتها بس قلبها لسه هناك.
في يوم من الأيام، وهي قاعدة لوحدها، سمعت خبط خفيف على الباب.
قامت بالراحة، ومشيت وهي ماسكة في الحيطة فتحت الباب، لقت بنت صغيرة، يمكن عندها 14 سنة، واقفة ومرتبكة.
حضرتك مدام عبلة؟
عبلة بصتلها بهدوء

وقالت
أيوه يا بنتي
البنت مدت لها كيس صغير وقالت
ماما بعتاه لحضرتك وقالت لي أقولك سامحيني.
عبلة خدت الكيس، وفتحتُه لقت فيه سلسلة دهب مكسورة نفس السلسلة اللي كانت بتاعة أمها، واللي اختفت يوم ما نهى سيطرت على البيت.
إيد عبلة رعشت مش من الضعف من الذكرى.
مين مامتك؟
البنت نزلت عينيها وقالت
أنا بنت خالتي نهى
الصمت وقع تقيل تقيل لدرجة إن صوت نفس البنت كان مسموع.
ماما قالت لي إن خالتي بتعيط كل يوم في السجن وبتقول اسمك وبتقول إنها غلطت.
عبلة قفلت إيدها على السلسلة وافتكرت.
افتكرت يوم ما نهى كانت بتستخبى وراها وهي صغيرة يوم ما كانت بتاكل من إيدها يوم ما كانت بتعيط لها لما الدنيا تضيق بيها وافتكرت برضه يوم ما سابتها تتحاكم لوحدها يوم ما اتقفلت عليها الزنزانة يوم ما حياتها كلها اتكسرت.
الصراع كان واضح في عينيها.
البنت قالت بصوت ضعيف
هي عايزة تشوفك مرة واحدة بس
عبلة ما ردتش فورًا بصت للسماء كأنها بتدور على إجابة هناك.
عدى يومين
وفي زيارة سجن هادية، كانت عبلة داخلة تاني من نفس الباب اللي خرجت منه بس
المرة دي، مش سجينة.
كانت ماشية ببطء بس بثبات.
وصلت قدام نهى.
نهى كانت قاعدة، مكسورة وشها شاحب، عينيها غرقانة، مفيش ولا ذرة من القوة اللي كانت فيها.
أول ما شافت عبلة قامت بسرعة وقعت منها الكرسي.
عبلة
الصوت كان مليان رجاء وخوف وندم.
عبلة وقفت قدامها ساكتة.
نهى قربت خطوة، بس وقفت لما شافت نظرة عبلة.
أنا غلطت أنا اتجننت وقتها الفلوس الطمع أنا أنا خفت أرجع فقيرة تاني
عبلة قالت بهدوء
فبعتيني؟
نهى انهارت
أنا كنت فاكرة إنك هتخرجي بسرعة والله ما كنتش متخيلة 20 سنة
ضحكة خفيفة خرجت من عبلة ضحكة مفيهاش أي فرح.
20 سنة يا نهى عشرين سنة وأنا بعدّ الأيام وانتي عايشة حياتي.
نهى وقعت على ركبها
سامحيني
الصمت تاني بس المرة دي مختلف.
عبلة بصتلها طويل قوي كأنها بتشوفها لأول مرة.
أنا سامحتك
نهى رفعت عينيها بسرعة فيها أمل مفاجئ.
لكن عبلة كملت
سامحتك عشان أنا تعبت تعبت أشيل الكره جوايا مش عشانك عشان نفسي.
الدموع نزلت من عيون نهى أكتر.
بس ده ما يرجّعش حاجة.
سكتت لحظة وبعدين قالت
ولا يغيّر اللي عملتيه.
وقفت واستدارت
تمشي.
نهى صرخت
عبلة! متسبنيش!
عبلة وقفت لحظة من غير ما تبص وراها.
أنا سيبتك من زمان يا نهى يوم ما انتي بعتي أختك.
ومشيت.
رجعت البيت قفلت الباب وراها بهدوء.
قعدت في الجنينة نفس المكان نفس الكرسي
بس قلبها كان أخف.
مش لأنها نسيت ولا لأنها رجعت زي الأول
لكن لأنها أخيرًا بطلت تكون أسيرة حتى وهي برة السجن.
عدى وقت وعبلة بدأت تعمل حاجة جديدة.
فتحت أوضة صغيرة في البيت وحولتها لفصل.
كانت بتجمع فيه بنات صغيرين تعلمهم عربي تقرأ لهم تحكي لهم
وكانت دايمًا تقول جملة واحدة
العلم بيديكي قوة بس الطيبة من غير عقل ممكن تكسرك.
البنات كانوا بيحبوها وبيشوفوا فيها حاجة نادرة ست اتكسرت ورجعت تقوم مش أقوى من الأول لكن أصدق.
وفي يوم وهي قاعدة بتشرح درس واحدة من البنات سألتها
هو حد ممكن يرجع حقه بعد ما يضيع؟
عبلة ابتسمت ابتسامة هادية وقالت
آه بس لازم الأول يرجع نفسه.
وسكتت لحظة وبعدين كملت
وأصعب حق ترجعيه مش الفلوس ولا البيت أصعب حاجة ترجعيها هي نفسك اللي ضاعت منك.
الشمس دخلت من الشباك على وشها ونورت التجاعيد اللي
حكت حكاية عمر كامل
عبلة الشاذلي ما رجعتش زي زمان.
لكنها أخيرًا بقت حرة.

تم نسخ الرابط