شر مرات ابني

لمحة نيوز

اسمي كريمة، عندي 62 سنة، قضيت أكتر من نص عمري ببني مع جوزي الله يرحمه شركة توريدات صناعية من الصفر، كنا بنعد الجنيه على الجنيه ونشتغل ليل ونهار لحد ما بقى لينا اسم في السوق، عمرنا ما حبينا المنظرة ولا الفشخرة، كنا بنحب الستر والراحة والاحترام، ولما جوزي توفى حسيت إن ضهري اتكسر بس ما وقعتش، بعت نصيبي في الشركة واستثمرت فلوسي بحكمة، وقررت أعيش بقية عمري في هدوء ومن غير ما أمد إيدي لحد، كنت فاكرة إن دي أقل حاجة أستحقها بعد كل التعب ده، يوم هادي، شقة نظيفة، زيارات من ابني، وكلمتين حلوين، لكن الحياة كان ليها رأي تاني خالص، البداية كانت بسيطة، ماسورة الصرف في العمارة باظت والدنيا بقت عك، مضطرة أسيب الشقة كام يوم، فطبيعي أكلم ابني آدم وأسأله أقعد عنده يومين لحد ما المشكلة تتحل، رحب بيا وقال تنوري يا ماما، لكن اللي ماقالوش إن مراته لارا كانت مستنياني على الباب بنظرة كأنها شايفة حد غريب جاي يفرض نفسه، بصتلي من فوق لتحت، على هدومي البسيطة، على سني، على شكلي اللي مابقاش زي زمان، وقالت بصوت متعمد عالي

“إنتي كبرتي وخرفتي، بدل القعدة دي انزلي اشتغلي بجد بدل ما تبقي عالة”، الكلمة خبطت في قلبي زي السكينة، مش عشان جديدة عليا القسوة، لكن عشان جت منها قدام ابني، بصيت لآدم مستنية كلمة، أي كلمة، يدافع، يضحك ويعديها، لكن ولا حاجة، واقف ساكت، ماسك موبايله، كأنه مش شايف ولا سامع، ساعتها بس فهمت إن السكوت ممكن يكون أقسى من الإهانة نفسها، ما عملتش مشكلة، دخلت أوضة الضيوف، لمّيت حاجتي وكرامتي، وخرجت، لحقني عند الأسانسير يبرر ويقول أصلها مضغوطة، بصيت له وقلت له بهدوء إن أسوأ حاجة هي قالتها، وأسوأ حاجة هو سابها تقولها، وركبت التاكسي ومشيت، الليلة دي كانت نقطة التحول، قعدت في جناح فندق، فتحت اللابتوب، ودورت على الشركة اللي لارا بتشتغل فيها وبتتباهى بيها دايمًا، بدأت أقرأ وأحلل، اكتشفت إن الشركة شكلها قوي من بره لكن من جوا فيها مشاكل سيولة وخسائر وسوء إدارة، وهنا ابتسمت لأول مرة من ساعتها، لأن دي اللغة اللي أنا بفهمها كويس، لغة السوق والفرص، كلمت مستشاري القديم عزت بيه، وبدأنا نتحرك في صمت، نشتري أسهم، نتفاوض
مع مستثمرين، نستغل خوفهم ونقدم حلول، خطوة ورا خطوة، لحد ما خلال أسابيع قليلة بقيت أنا صاحبة الحصة الأكبر وصاحبة القرار، يومها حسيت إن ربنا رجع لي حقي بإيدي، مش بالانتقام الرخيص لكن بالقوة الحقيقية، يوم الاتنين لبست شيك كأني رايحة معركة هادية، دخلت الشركة مع المحامي، محدش خد باله مني في الأول، لكن لما وصلت الدور الإداري وشافتني لارا، الدنيا وقفت في عينيها، قربت منها بهدوء وقلت لها نفس الجملة اللي قالتها لي “لقيت شغلانة”، بس كملت وقلت “ومن النهارده إنتي بتشتغلي عندي”، ارتبكت وحاولت تتمالك نفسها لكن واضح إنها مش مستوعبة، دخلت الاجتماع الرسمي وأعلنت التغييرات، وكل واحد فهم إن في إدارة جديدة دخلت، الأيام اللي بعد كده كانت اختبار حقيقي، مش ليا أنا، لكن لها هي، هل هتتعلم الاحترام ولا تكابر، في الأول حاولت تبين إنها قوية، لكن كل قرار كنت بأخده كان بيكشف ضعفها في الإدارة، بدأت أديها شغل حقيقي، مش منظر ولا كلام، ملفات تقيلة، أرقام، مسئوليات، وكل مرة كانت بتغلط كنت بصحح بهدوء قدام الفريق من غير إهانة،
الفرق بيني وبينها إني مش محتاجة أذل حد عشان أثبت نفسي، مع الوقت بقى واضح للكل مين فاهم ومين كان مجرد واجهة، آدم عرف اللي حصل وجالي وهو متلخبط، مش عارف يفرح ولا يخاف، قال لي إنه ندمان، وإنه كان ضعيف، ساعتها قلت له إن الندم مش كلام، الندم موقف، يا يقف صح بعد كده يا يفضل زي ما هو، بدأ يحاول يصلح، مش معايا بس، مع نفسه كمان، أما لارا فمرت بمراحل، إنكار، غضب، خوف، لحد ما في يوم دخلت مكتبي وقعدت ساكتة شوية وقالت بصوت مكسور “أنا غلطت”، ما فرحتش بالكلمة ولا شمت فيها، بس حسيت إن الدرس وصل، قلت لها الشغل هنا قائم على الاحترام والكفاءة، لو تقدري تكملي بالمعنى ده أهلاً بيكي، لو مش قادرة الباب مفتوح، اختارت تفضل، لكن مش نفس الشخص، بقت أهدى، بتسمع، بتتعلم، ويمكن لأول مرة في حياتها بتشتغل بجد، وأنا كملت طريقي، مش عشان أنتقم، لكن عشان أثبت لنفسي قبل أي حد إن العمر مش رقم، وإن الكرامة مش حاجة حد يديهالك، دي حاجة إنتي بتحافظي عليها، رجعت لشقتي بعد ما اتصلحت، لكن رجعت وأنا شخص تاني، أقوى، أهدى، وعارفة قيمتي 

تم نسخ الرابط