كويس، بقيت بروح الشركة يومين في الأسبوع، أتابع وأوجه، وباقي الوقت أعيش حياتي اللي كنت عايزاها من الأول، بس المرة دي وأنا رافعة راسي، وعارفة إن اللي يقلل مني مرة، هيتعلم إن كريمة عمرها ما كانت ولا هتكون عالة على حد، بالعكس، هي اللي بتدي القيمة لأي مكان تدخله.
بعد شهور من اليوم اللي دخلت فيه الشركة لأول مرة بصفتي المالكة الجديدة، الدنيا ما وقفتش عند حدود “الصدمة” اللي حصلت لارا، بالعكس، كانت البداية الحقيقية لحاجات أعمق بكتير، لأن السيطرة على شركة متعثرة مش مجرد قرار شراء، دي معركة طويلة فيها ناس بتقاومك، وناس بتختبرك، وناس مستنية سقوطك، وأنا كنت عارفة إن أكبر غلط ممكن أعمله هو إني أتعامل بدافع الانتقام، لأن الانتقام بيعمّي، وأنا كنت محتاجة أشوف كل حاجة بوضوح، من أول يوم بدأت أعيد ترتيب الإدارة، غيرت سياسات الدفع، رجعت ثقة الموردين، وفتحت ملفات كانت متقفلة بقالها سنين، ووسط كل ده كانت لارا بتتحرك بحذر، زي حد ماشي على أرض مش أرضه، بتحاول تثبت نفسها، بس كل خطوة كانت بتفكرها باللي حصل، وده كان باين في نظراتها قبل كلامها، أما آدم فكان بييجي الشركة أوقات كتير بحجة إنه يعدي عليا، لكن الحقيقة إنه كان بيحاول يفهم إزاي أمه اللي سابها تتكسر قدامه بقت بالشكل ده، وكنت شايفة في عينيه حاجة
بين الندم والانبهار، وده خلاني أكون حازمة أكتر، لأن الرجوع السهل بيضيع قيمة الدرس، وفي يوم من الأيام حصل أول اختبار حقيقي لارا قدام الكل، صفقة كبيرة كانت الشركة محتاجة تكسبها بأي شكل، عميل تقيل وشرس في التفاوض، والملف اتسند لها، يمكن كاختبار، ويمكن كفرصة أخيرة، قعدت تجهز وتذاكر وتحلل، ولأول مرة ماجتش تتفشخر ولا تتكلم بثقة فارغة، دخلت الاجتماع وهي مركزة، وأنا كنت متابعة من بعيد، سكتة، بسيبها تغلط لو هتغلط، لأن التعلم الحقيقي بييجي من الاحتكاك، وفعلاً في نص التفاوض اتزنقت، العميل ضغط عليها بأسئلة تقنية ومالية، وكانت لحظة ممكن تنهار فيها، لكن اللي حصل فاجأني، سكتت ثواني، رتبت أفكارها، وردت بهدوء ومن غير استعراض، وكسبت احترام اللي قدامها حتى قبل ما تكسب الصفقة، ولما خلص الاجتماع وخرجت، عينيها جت في عيني، مفيهاش تحدي ولا كره، فيها سؤال صامت “عملت كويس؟”، وهنا بس هزيت راسي موافقة، من غير كلمة، ودي كانت كفاية، بعدها بأيام الصفقة تمت، وكانت أول نجاح حقيقي ليها مش مبني على شكل أو كلام، لكن على شغل، ومن اليوم ده بدأت أشوف تغيير تدريجي، بقت بتسمع أكتر ما بتتكلم، بتسأل بدل ما تفترض، وده انعكس حتى في بيتها مع آدم، اللي جه في مرة وقالي إن الجو بينهم بقى أهدى، مش مثالي، لكن أهدى، وأنا ماعلقتش،
لأن العلاقة بينهم مش معركتي، معركتي كانت مع فكرة أكبر، فكرة إن الاحترام مش بيتفرض بالقوة ولا بيتاخد بالصوت العالي، في نفس الوقت بدأت أكتشف حاجات في الشركة ماكنتش باينة في الأول، شبكة مصالح قديمة، مديرين متعودين على الفوضى، ومحاولات خفية لتعطيلي، مرة أوراق تتأخر، مرة قرارات تتفسر غلط، ومرة إشاعات عني إني “ست كبيرة مش فاهمة السوق الجديد”، ودي كانت لحظة لازم أقرر فيها هل هواجه بهدوء ولا هكسر الدنيا، واخترت أواجه بطريقتي، جمعت الإدارة كلها في اجتماع كبير، واتكلمت بصراحة من غير تهديد مباشر، قلت إن اللي مش قادر يشتغل بنظام واضح يقدر يمشي من غير مشاكل، واللي هيكمل لازم يكون فاهم إن المرحلة دي مختلفة، وبعدها بدأت التغييرات الحقيقية، ناس مشيت، ناس اتصعدت، وناس اتعلمت غصب عنها، ولارا كانت من الفئة الأخيرة، وفي يوم حصل موقف ماكنتش متوقعاه، دخلت عليا المكتب وقعدت وساكتة شوية وبعدين قالت “أنا عمري ما حد وقفني عند حدي بالطريقة دي، كنت فاكرة القوة إنك تعلي صوتك وتقلل من اللي قدامك، بس طلع العكس”، كلامها ماكنش اعتذار مباشر، لكنه كان اعتراف، وده كان كفاية بالنسبة لي، قلت لها إن الحياة بتدي كل واحد فرصة يتعلم، بس مش كل الناس بتستغلها، وإني مش مهتمة بالماضي قد ما مهتمة باللي جاي، ومن ساعتها بقى
بينا نوع غريب من العلاقة، مش حب، ومش عداء، لكن احترام حذر، ومع الوقت بقيت باعتمد عليها في ملفات معينة، لأنها فعلاً بدأت تفهم الشغل، أما آدم فكان التغيير فيه أبطأ، لأنه كان محتاج يواجه نفسه قبل أي حاجة، وفي مرة جمعنا على الغدا وقال بصراحة إنه كان خايف يزعل مراته، فاختار يسكت، وساعتها قلت له إن الخوف عمره ما يبني بيت، وإن الراجل اللي مايعرفش يقف صح في الوقت الصح، بيخسر الاتنين، نفسه واللي حواليه، الكلام كان تقيل عليه، لكنه كان لازم يتقال، الأيام عدت، والشركة بدأت تقف على رجليها، الأرباح رجعت، السمعة اتحسنت، وبقى لينا مكان أقوى في السوق، وأنا بقيت أختار أظهر أقل وأسيب الإدارة اليومية تمشي، لأن هدفي ماكنش أرجع أشتغل ليل نهار، هدفي كان أرجع لنفسي حقي، وفي يوم من الأيام، بعد كل اللي حصل، لقيت لارا واقفة في مكتبي بتقولي “لو الزمن رجع بيا، عمري ما كنت هقولك الكلمة دي”، ابتسمت بهدوء وقلت لها “لو الزمن رجع، يمكن أنا كمان ماكنتش هبقى هنا دلوقتي”، لأن الحقيقة إن الإهانة اللي وجعتني، هي نفسها اللي فوقتني، واللي خلتني أرجع أقف على أرضي بقوة، مش عشان أثبت لها حاجة، لكن عشان أثبت لنفسي إن كريمة اللي اتربت على الكرامة، عمرها ما هتقبل تعيش أقل من قيمتها، لا في بيت ابنها، ولا في أي مكان في الدنيا.