سر الست المجنونه

لمحة نيوز

من اللحظة اللي عيون المجذوبة اتثبتت فيها علينا أنا وأمي من ورا الشباك، حسيت إن قلبي اتسحب من صدري واترمى في الشارع عند رجليها النظرة ماكنتش نظرة إنسان عادي، كانت نظرة حد شايف كل حاجة فاهم كل حاجة ومخبي جواه سر تقيل أوي، السر ده كان مربوط بأبويا.
أمي مسكت في دراعي بقوة وهي بتهمس بخوف اقفل الشباك اقفل بسرعة!
بس إيدي ماطاعتنيش كنت متسمر مكاني، مش قادر أتحرك، كأن في قوة غريبة شداني أكمل الفرجة.
تحت، أبويا كان لسه راكع والست قربت منه خطوة، وبصوت أوضح المرة دي قالت
كان زمانك تحت التراب فاكر؟ ولا ناسي زي ما نسيتهوني؟
أبويا رفع عينه ليها، وعينه كانت مليانة دموع لأول مرة أشوفها
عمري ما نسيت ولا يوم واحد
أمي ساعتها ماقدرتش تستحمل، فتحت الشباك وصرخت
مين إنتي؟! عايزة إيه مننا؟! سيبي جوزي في حاله!
الست بصتلها تاني نفس النظرة الباردة، وبعدين ابتسمت ابتسامة غريبة ابتسامة فيها سخرية ووجع في نفس الوقت، وقالت
جوزك؟ إنتي متأكدة إنه كان جوزك من الأول؟
الكلمة وقعت زي الصاعقة أمي اتجمدت وأنا حسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي.
أبويا قام بسرعة وقال بعصبية كفاية! سيبيهم!
لكن الست ما اهتمتش بالعكس، رفعت إيدها وأشارت على البيت وقالت
الحقيقة لازم تطلع

مش كفاية سنين السكوت.
وبعدين لفّت ومشيت، زي كل مرة بس المرة دي، كانت سايبة وراها نار مولعة في كل حاجة.
أبويا فضل واقف مكانه شوية، وبعدين دخل البيت ببطء وشه شاحب كأنه شايل جبل فوق كتافه.
أمي استنته عند الباب، أول ما دخل مسكت فيه وقالت وهي شبه منهارة
هتنطق ولا لأ؟! مين الست دي؟! قالت إيه ده؟!
أبويا قعد على الكرسي سكت شوية وبعدين قال جملة واحدة غيرت كل حاجة
دي مش مجذوبة دي مراتي.
الدنيا وقفت.
أنا حسيت إني مش سامع كويس وأمي شهقت وقالت إنت بتقول إيه؟!
أبويا غمض عينه وقال
قبل ما أتجوزك كنت متجوزها اسمها نادية
بدأ يحكي وصوته بيتهز مع كل كلمة.
قال إنه زمان، قبل سنين طويلة، كان شاب بسيط، بيحب بنت من نفس منطقته نادية كانت جميلة، طيبة، وبتحبه بجنون. اتجوزوا رغم رفض أهله، وبدأوا حياتهم من الصفر.
لكن بعد سنة حصلت الكارثة.
كان في حادثة عربية نقل فقدت السيطرة ودخلت عليهم وهم ماشيين في الشارع أبويا كان المفروض يموت في اللحظة دي لكن نادية زقته بكل قوتها بعيد وخدت الصدمة بداله.
فضلت في المستشفى شهور ما بين الحياة والموت ولما فاقت كانت اتغيرت.
عقلها ما بقاش زي الأول بقت تايهة بتنسى بتتكلم بكلام مش مفهوم أهلها خدوها، وقالوا إنها بقت مش طبيعية
وأبويا ساعتها خاف.
سكت شوية وبعدين قال بصوت مكسور
أنا ما استحملتش ضعفت سبتها.
أمي رجعت خطوة لورا كأنها اتضربت.
طلقتها وهي مش واعية وبدأت حياتي من جديد واتجوزتك.
السكوت كان تقيل تقيل لدرجة إن صوت أنفاسنا كان مسموع.
كمل وهو بيبكي
بس عمري ما نسيت كل جمعة نفس اليوم اللي حصل فيه الحادث كانت بتيجي واقفة قدام البيت زي ما شفتوا أول مرة شفتها وقعت من طولي عرفتني رغم حالتها وقالتلي نفس الجملة إنت لسه عايش عشان أنا سمحت بكدة
أمي دموعها نزلت في صمت بس كان واضح إن جواها بركان.
ومن يومها وأنا برد الجميل مش فلوس ولا أكل لا أنا بدفع دَين دَين حياة.
أنا ساعتها بدأت أفهم كل حاجة بدأت تركب بس كان لسه في حاجة غلط حاجة ناقصة.
قلت بس هي ليه قالت إن الحقيقة لازم تطلع؟
أبويا سكت وبص في الأرض وبعدين قال
عشان فيه حاجة أنا مخبيها
قلبي دق بسرعة.
يوم الحادث أنا ماكنتش بريء.
أمي رفعت راسها فجأة.
كنت أنا اللي سايق وكنت شارب والعربية خرجت عن السيطرة وأنا اللي كنت السبب.
الكلمة وقعت زي قنبلة.
هي أنقذتني من موت أنا اللي جبته لنفسي وخسرت عقلها وأنا هربت.
البيت كله انهار في اللحظة دي.
أمي قعدت على الأرض وهي بتبكي، وأنا حسيت إني مش عارف أبص لأبويا تاني بنفس
الطريقة.
لكن القصة ما انتهتش هنا
تاني يوم جمعة الكل كان مستني.
المغرب أذن والشارع فاضي
بس هي ماجتش.
أبويا وقف مستني دقيقة دقيقتين ساعة
ماجتش.
قلق بدأ ياكل في قلبه نزل يدور عليها في الشوارع وأنا وراه.
لفينا المنطقة كلها لحد ما لقينا تجمع ناس في شارع جانبي
قربنا
وكانت هي نادية واقعة على الأرض ساكنة هادية بشكل مخيف.
واحد من الناس قال دي ماتت شكلها كانت تعبانة بقالها أيام.
أبويا وقع على ركبته جنبها زي كل مرة بس المرة دي ماكانش في حد هيرد عليه.
فضل يبكي ويقول أنا آسف سامحيني أنا ما استاهلش
لكن الحقيقة كانت أقسى من أي اعتذار.
ومن يومها كل جمعة أبويا هو اللي بيقف مكانها قدام البيت نفس الوقت يبص للسما ويقول
متشكر على كل شيء
بس المرة دي ماكانش بيشكرها على حياته
كان بيعتذر على ذنب عمره ما هيتغفر.
بعد ما نادية ماتت، ماكنش في حاجة في البيت رجعت زي الأول حتى الهوا بقى تقيل، والسكوت بقى يخوف أكتر من أي صوت. أبويا بقى إنسان تاني خالص راجل مكسور، عينه دايمًا في الأرض، وكأنه مستني حد ينادي عليه من عالم تاني. كل يوم جمعة، قبل المغرب بساعة، يلبس نفس الهدوم النضيفة، يخرج يقف قدام البوابة بس المرة دي مفيش حد قدامه. يقف لوحده يبص للمكان اللي
كانت بتقف فيه ويركع. أيوه، يركع في نفس الحتة، ويحط إيده على الأرض، ويهمس
تم نسخ الرابط