سر شنطة الفلوس

لمحة نيوز

عمر ما كانش فاهم هو ليه الدنيا قاسية عليه بالشكل ده، طفل صغير اتولد في بيت كبير، وسط عيلة معروفة وفلوس وسلطة، لكن كل ده اختفى من حياته أول ما أمه ماتت، وكأنها كانت الحاجز الوحيد بينه وبين القسوة اللي كانت مستخبية في القلوب حواليه، أبوه اتغير، بقى ساكت طول الوقت، غرقان في شغله، وسايب البيت كله في إيد مراته الجديدة، الست اللي دخلت حياتهم بابتسامة مزيفة، ومع الوقت كشرت عن وش تاني خالص، وش مليان قسوة وجبروت، كانت بتبص لعمر كأنه غلطة، كأنه حمل تقيل لازم يتشال بأي طريقة، في الأول بدأت تحرمه من حاجات بسيطة، أكله يقل، لبسه يتأخر، اهتمامه يختفي، وبعدها الموضوع كبر، بقى بيشتغل في البيت، يخدمها ويخدم عيالها، ولو غلط غلطة صغيرة يتعاقب كأنه مجرم، وأبوه؟ ولا كأنه شايف، أو يمكن كان شايف بس مش عايز يصدق، أو أضعف من إنه يواجه، الأيام عدت وعمر اتحول من طفل بيضحك لطفل ساكت، عينيه فيها حزن أكبر من سنه، لحد اليوم اللي قلب حياته كلها، يوم ما الست وقفت قدامه وقالتله بصوت بارد "إنت مالكش مكان هنا"، ورمت له هدومه في شنطة قديمة وزقته لبرا الباب، وهو مش مستوعب، بيبص حواليه يمكن أبوه يظهر، يمكن حد يدافع عنه، لكن الباب اتقفل في وشه،

وسابوه لوحده في الشارع، من غير فلوس، من غير أكل، من غير حتى كلمة طبطبة، مشي عمر ساعات طويلة، رجليه وجعاه وبطنه فاضية، لحد ما وصل لمنطقة شبه مهجورة، مفيهاش غير أراضي فاضية وشوية بيوت قديمة، قرر يقعد هناك، يحاول يستخبى من الدنيا كلها، مسك فرع شجرة وبدأ يحفر في الأرض يعمل حفرة صغيرة يحتمي فيها من البرد، وفجأة حس إن الفرع خبط في حاجة جامدة، استغرب، بدأ يحفر بإيده بسرعة، التراب بيطير حواليه وقلبه بيدق، لحد ما ظهرت شنطة سودا، تقيلة بشكل غريب، قلبه اتقبض، فتحها وهو متردد، لكن أول ما شاف اللي جواها عينيه وسعت، فلوس... رزم فلوس كتير، حاجة عمره ما شافها حتى في خياله، فضل باصص للشنطة شوية، دماغه بتلف، الأفكار بتتصارع، ياخد الفلوس ويعيش؟ يأكل ويشرب ويشتري هدوم وينسى كل اللي حصل؟ ولا ينتقم؟ يرجع ويكسر قلب الست اللي كسرته؟ لكن فجأة حاجة جواه اتحركت، حاجة كانت أمه زمان بتزرعها فيه، صوتها وهي بتقوله "الحرام عمره ما بيدوم"، قفل الشنطة وهو بيبلع ريقه، شالها على كتفه ومشي، سأل لحد ما وصل لقسم الشرطة، دخل وهو مرعوب، الناس بتبص له باستغراب، طفل هدومه متبهدلة شايل شنطة تقيلة، حطها قدام الضابط وقال بصوت مهزوز "لقيتها مدفونة في
الأرض"، الضابط فتح الشنطة واتفاجئ، المكان كله اتقلب، اتضح إن الفلوس دي فدية لعملية خطف كبيرة والشرطة كانت بتدور عليها بقالها أيام، التحقيقات بدأت، وعمر حكى كل حاجة، من غير ما يخبي حاجة، ولأول مرة حد يسمعه، حد يصدقه، وبعد أيام، صاحب الفلوس جه بنفسه، راجل كبير، شكله هيبة بس عينيه فيها طيبة، سأل عن الولد اللي رجع الفلوس، ولما شاف عمر وسأل عن حكايته، سكت شوية وبعدين قال جملة غيرت حياة عمر "من النهارده إنت ابني"، الناس كلها اتصدمت، لكن الراجل كان جاد، خد عمر معاه، عالجه، لبسه، أكله، دخله مدرسة كويسة، وفضل جنبه كأنه ابنه فعلاً، السنين عدت، وعمر كبر، بقى شاب ناجح، متعلم، وعنده مشروع باسمه، بقى قدوة لناس كتير، وكل ده وهو عمره ما نسي وجعه القديم، ولا نسي اللي اتعمل فيه، لكن كان جواه حاجة أهم من الانتقام، كرامة، لحد اليوم اللي رجع فيه للمنطقة القديمة، عربيته وقفت قدام نفس البيت اللي اتطرد منه، الناس اتجمعت، والست اللي كانت سبب عذابه خرجت، أول ما شافته اتفاجئت، ملامحه اتغيرت، لبسه شيك، عربيته فخمة، عرفت إنه بقى حد مهم، قربت منه بسرعة وقالت بصوت متكسر "يا ابني سامحني، أنا غلطت"، وكانت فاكرة إنه هينتقم، أو يذلها زي ما
ذلته، لكن عمر بص لها بهدوء، عيونه ثابتة، وقال "أنا سامحتك من زمان... عشان أرتاح أنا مش عشانك"، سكتت مش مستوعبة، لكنه كمل "بس عمري ما هرجع لنفس المكان اللي انكسرت فيه"، وأخرج ظرف فيه فلوس، حطه في إيدها وقال "دي مساعدة... مش عشانك، عشان محدش في البيت يجوع زيي"، ولف ضهره ومشي، الناس كانت مذهولة، مش من فلوسه، لكن من قوته، من اختياره، إنه يكون أحسن من اللي ظلموه، وأبوه؟ كان واقف بعيد، عينيه مليانة دموع، فهم أخيراً كل حاجة، بس بعد فوات الأوان، حاول يقرب، لكن عمر وقف وقال بهدوء "أنا محتاج وقت"، ومشي، لأنه كان عارف إن بعض الجروح بتتسامح، لكن عمرها ما بتتنسي، ومع ذلك، قرر يعيش، ينجح، ويثبت إن الخير حتى لو اتكسر، ممكن يرجع أقوى من الأول.

بعد ما عمر لف ضهره ومشي، كان حاسس إن خطوة زي دي أثقل من أي حاجة عملها في حياته، مش لأنه سابهم، لكن لأنه قرر ميبقاش زيهم، قرر يختار نفسه من غير ما يبيع قلبه ولا مبادئه، ركب عربيته وساق وهو ساكت، الشوارع بتعدي قدامه وهو غرقان في ذكرياته، كل ركن في المنطقة دي كان شاهد على وجع قديم، على طفل كان بيعيط في صمت، وعلى شاب بيحاول يقوم من تحت الركام، لكنه المرة دي ماكانش بيهرب، كان بيقفل صفحة.

تم نسخ الرابط