سر شنطة الفلوس

لمحة نيوز

رجع بيته الجديد، البيت اللي عمره ما كان يتخيله، مش فخم بس، لكن دافي، مليان إحساس بالأمان، أول ما دخل لقى الراجل اللي تبناه قاعد مستنيه، بص له بنظرة فيها فهم عميق، وقال له بهدوء "روحت؟"، عمر هز راسه وقعد قدامه، وسكت شوية قبل ما يقول "سامحتهم... بس مش قادر أنسى"، الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال "النسيان مش مطلوب... المهم إنك متخليش اللي فات يسرق منك اللي جاي"، الجملة دي فضلت ترن في ودنه، كأنها مفتاح لباب جديد.

الأيام عدت، وعمر بدأ يركز أكتر في شغله، مشروعه كبر، وقرر إنه يعمل حاجة مختلفة، مش بس ينجح لنفسه، لكن يساعد ناس شبهه، بدأ يخصص جزء من أرباحه لولاد الشوارع، يعمل لهم مكان يأكلوا فيه ويتعلموا، مكان يحسوا فيه إنهم بني آدمين، مش عبء على المجتمع، وكل مرة كان بيشوف طفل فيهم، كان بيشوف نفسه زمان، وده كان بيديله قوة غريبة يكمل.

لكن الحياة مش دايماً بتمشي

في خط مستقيم، في يوم وهو في مكتبه، جاله خبر قلب كل حاجة تاني، أبوه تعب، تعب شديد، ودخل المستشفى، عمر وقف متجمد لحظة، مشاعر متلخبطة، غضب قديم، وحنين مدفون، وصوت جواه بيقوله "ده أبوك"، فضل واقف شوية، وبعدين خد قرار، راح له.

دخل أوضة المستشفى بهدوء، شاف أبوه نايم، ضعيف، مختلف تماماً عن الصورة اللي في دماغه، الراجل القوي اللي كان بيخاف منه، قرب منه وقعد، أبوه فتح عينه بالعافية، ولما شافه دموعه نزلت، قال بصوت مكسور "سامحني يا عمر... أنا كنت شايف... بس كنت ضعيف"، الكلمة دي خبطت في قلب عمر، لأنه طول عمره كان بيسأل نفسه السؤال ده، "هو كان عارف؟"، والإجابة كانت أصعب مما توقع.

عمر سكت، وبص له فترة طويلة، وبعدين قال "أنا اتوجعت منك أكتر من أي حد... بس أنا مش جاي أعاتبك"، مسك إيده وكمل "أنا جاي أودع الوجع ده"، اللحظة دي كانت تقيلة، لكنها كانت بداية شفاء حقيقي،

مش ليه بس، لكن لأبوه كمان، اللي أخيراً واجه نفسه.

بعد أيام، حالة أبوه بدأت تتحسن شوية، وعمر بقى يزوره من وقت للتاني، مش كابن رجع لحضن أبوه، لكن كإنسان قرر ميخليش الكره يتحكم فيه، ومع الوقت، العلاقة بينهم بدأت تتبني من جديد، ببطء، بحذر، لكن بصدق.

في نفس الوقت، الست اللي كانت مرات أبوه ماقدرتش تستحمل اللي حصل، كلام الناس، نظراتهم، مقارنة بينهم وبينه، خصوصاً بعد ما عرفوا إنه هو اللي بيساعد الغلابة وواقف جنب الكل، حاولت تاني تقرب منه، راحت له مكتبه، دخلت وهي مترددة، لكنه المرة دي ماكانش نفس الطفل اللي اتطرد، كان ثابت، هادي، مسيطر.

قالت له "أنا تعبت... ومفيش حد واقف جنبي"، عمر بص لها وقال "أنتي اللي اخترتي ده"، سكتت، وبعدين قال "بس أنا مش هسيبك تجوعي ولا تتبهدلي... لأن ده مش أنا"، ومد لها مساعدة شهرية، لكن بشروط واضحة، "مفيش تدخل في حياتي... ومفيش رجوع

لورا"، وافقت وهي مكسورة، لأنه ما ادهاش المكانة اللي كانت عايزاها، لكن اداها درس عمرها ما هتنساه.

السنين كملت، وعمر بقى اسم معروف، مش بس في البيزنس، لكن في الخير كمان، وكل ما حد يسأله عن سر نجاحه، كان يقول جملة واحدة "أنا اتكسرت... فتعلمت أقوم صح"، وفضل دايماً فاكر إن اللحظة اللي لقى فيها الشنطة ماكنتش مجرد صدفة، كانت اختبار، اختبار نجح فيه، وفرق في حياته كلها.

وفي يوم من الأيام، وهو واقف قدام مجموعة كبيرة من الشباب بيحكيلهم قصته، قال لهم "أصعب حاجة مش إنك تلاقي فرصة... أصعب حاجة إنك تختار الصح وانت تقدر تختار الغلط"، سكت شوية، وبص لهم بابتسامة هادية، وكمل "أنا اخترت... وانتوا كمان تقدروا تختاروا".

والحكاية ما انتهتش عند كده، لأن كل طفل ساعده عمر، وكل إنسان وقف على رجله بسببه، كان جزء جديد من القصة، قصة بدأت بظلم، لكنها انتهت بنور، نور اختار صاحبه

إنه ما يطفيش مهما حصل.

تم نسخ الرابط