سر مراتي

لمحة نيوز

بقاله سنتين كاملين، ويحيى عايش على خيط رفيع بين الحياة والموت.. مش عايش بجد، ومش قادر يموت. كل يوم شبه اللي قبله، وكل ليلة أطول من اللي قبلها. صورة ريم كانت ثابتة في كل ركن في القصر، ضحكتها، صوتها، حتى عطرها اللي لسه عالق في هدومها جوه الدولاب المقفول… كل حاجة بتفكره إنها كانت هنا، وفجأة اختفت.

لكن اللحظة اللي وقفت فيها البنت "صوفيا" قدامه في المقابر، قلبت كل حاجة.

ركب عربيته وهو ساكت، والأسورة في إيده، بيبص لها كأنه خايف تختفي. صوفيا قعدت جنبه من غير ما تتكلم، عينيها ثابتة قدامها، كأنها مستنية اللحظة اللي الحقيقة تنفجر فيها. الطريق للقصر كان أطول طريق مشاه في حياته.

أول ما وصل، الحرس كانوا واقفين بشكل غريب… توتر، همس، عيون بتتهرب منه. رئيس الحرس جري عليه وقال بصوت منخفض:
"اللي جوه مش طبيعي يا باشا… لازم تشوف بنفسك."

طلع يجري على جناح ريم… الجناح اللي مقفول من يوم وفاتها، محدش بيدخله، حتى هو… كان بيخاف.

الباب كان مفتوح.

دخل ببطء… قلبه بيدق بعنف،

كأن في حاجة جوه بتستناه. أول حاجة لاحظها… ريحة العطر. نفس عطر ريم… قوي، كأن حد لسه حاطه حالاً.

الغرفة كانت متغيرة.

السرير متعدل، المرايا نظيفة، حتى الستارة مفتوحة… كأن حد عايش هنا.

وبعدين… شافها.

على التسريحة… صورة.

بس مش الصورة اللي كان يعرفها.

الصورة كانت لريم… بس مش لوحدها.

ريم كانت واقفة، مبتسمة… وحاضنة بنت صغيرة.

نفس ملامح صوفيا.

يحيى حس الدنيا بتلف… لف ببطء ناحية صوفيا، اللي كانت واقفة وراه، وشها شاحب بس عينيها ثابتة.

قال بصوت مكسور:
"إيه ده…؟!"

صوفيا أخدت نفس عميق وقالت:
"دي الحقيقة اللي إنت ماكنتش تعرفها… أنا بنت ريم."

الصمت نزل زي السكينة.

"إنت بتكدبي…" قالها وهو بيهز راسه.

لكن صوفيا قربت، وطلعت سلسلة من رقبتها… نفس شكل الأسورة… نفس الحروف.

"(ي) و(ر)… يحيى وريم… بس دي كانت ليا أنا… يوم ما سابتني."

يحيى رجع خطوة… ودماغه بدأ يربط الحاجات ببعضها… حاجات صغيرة كان بيعديها زمان… اختفاء ريم أيام، مكالمات غريبة، دموع من غير سبب.

"ريم…

كانت متجوزاك… بس قبل كده كانت هربانة… كانت مخبية ماضي كامل… وأنا كنت جزء منه."

"ليه؟!" صرخ يحيى.

صوفيا دموعها نزلت لأول مرة:
"عشان كانت بتخاف عليك… ماضيها كان مليان ناس خطرين… ناس لو عرفوا إنها عايشة حياة جديدة، كانوا هيدمروا كل حاجة."

"فماتت؟!" قالها بسخرية موجوعة.

"لا… اختفت."

وقبل ما يكملوا… صوت جاي من داخل الغرفة.

صوت خفيف… حركة.

الاتنين بصوا ناحية الدولاب.

يحيى قرب ببطء… إيده بترتعش… وفتح الباب.

جواه… شنطة.

قديمة… ومتربة.

فتحها.

صور… جوازات سفر… فلوس… وأوراق.

أسماء مختلفة… لكن نفس الصورة.

ريم.

كانت عايشة بهويات متعددة.

لكن الحاجة اللي كسرته بجد… كانت رسالة.

باسمه.

فتحها بإيد مرتعشة.

"يحيى… لو بتقرا الرسالة دي، يبقى أنا اختفيت. سامحني… أنا كنت بحبك بجد، يمكن لأول مرة في حياتي. بس الماضي رجع يطاردني، ولو فضلت، كنت هموتك معايا. القبر فاضي… زي ما أنا بقيت. ما تدورش عليا… لأنك لو لقيتني، هتخسر نفسك."

إيده وقعت… والورقة نزلت على الأرض.

"القبر… فاضي؟" همس.

صوفيا قالت بهدوء:
"أنا اللي حطيت الأسورة جواه… عشان تقفل القصة."

"إنتي كنتي معاها؟!" سألها.

"آه… في آخر يوم."

سكتت لحظة، وبعدين قالت:
"بس في حاجة إنت ماتعرفهاش… ريم مش بس كانت هربانة… كانت بتستخبى من حد… حد لسه بيدور عليها لحد دلوقتي."

يحيى بص لها:
"مين؟"

قبل ما ترد… نور القصر كله قطع.

الضلمة بلعت المكان.

وصوت رصاص ضرب في الهوا.

صوفيا همست بخوف:
"هما وصلوا."

يحيى شدها ناحيته… لأول مرة يحس إنه مش لوحده.

الحقيقة خرجت… بس جابت معاها خطر أكبر.

ريم ما ماتتش…

بس يمكن كان المفروض تموت.

لأن اللي جاي… هيكون أسوأ بكتير من الكذبة.

الضلمة غطّت القصر كله، وكأن الليل قرر يبلع المكان بكل أسراره… وصوت الرصاص لسه بيرن في ودان يحيى، قلبه بيدق بعنف وهو ماسك إيد صوفيا، حاسس إنها المفتاح الوحيد لكل اللي بيحصل… أو يمكن الكارثة كلها.

"اطفي أي نور… بسرعة!" همس للحرس، لكن صوته كان واطي ومشدود، كأنه عارف إن اللي بره مش ناس عادية.

صوفيا قربت

منه وقالت بسرعة:
"إحنا لازم ننزل البدروم… دلوقتي!"

يحيى بص لها بحدة:
"إنتي عارفة المكان؟"

هزّت راسها:
"أنا جيت هنا قبل كده… مع ريم."

تم نسخ الرابط