الحب الحقيقي
الليلة اللي أكمل بيه وقع فيها على ورق الطلاق، كان حاسس إن في حاجة اتكسرت جواه مش الحزن، لأ ده كان إحساس غريب بالفراغ، كأن البيت الكبير اللي عايش فيه بقى فجأة أوسع من اللازم، أوسع لدرجة إنه يضيع فيه.
رجع القصر متأخر، صوت خطواته بيرن في الرخام كأنه غريب داخل مكان مش بتاعه. مفيش صوت، مفيش ضحك، مفيش حتى خناقة زي كل يوم. نيرمين كانت سابت المكان، بس أثرها لسه ماليه البرود، الترتيب الزايد، والإحساس إن كل حاجة متحسوبة بالمسطرة.
دخل المطبخ من غير ما يفكر يمكن عشان أول مرة في حياته يحس إنه محتاج حاجة حقيقية.
وهناك كانت أمل.
واقفة ضهرها له، إيديها بترتعش وهي بتحاول تمسح دموعها بسرعة قبل ما حد يشوفها. بس المرة دي اتشافِت.
أكمل وقف مكانه، من غير صوت. لأول مرة يشوفها بالشكل ده مش البنت الهادية اللي بتبتسم وتقول تحت أمرك، لكن إنسانة مكسورة لوحدها تمامًا.
قال بهدوء
إنتِ كويسة؟
اتخضت لفّت بسرعة، وحاولت تبتسم بس الابتسامة خانتها.
أنا كويسة يا بيه والله كويسة.
بص لها شوية وبعدين قال بجملة بسيطة قلبت كل حاجة
إنتِ مش كويسة.
وساعتها انهارت.
دموعها نزلت كأنها
أكمل قرب خطوة وبعدين وقف. عمره ما كان في موقف زي ده. عمره ما حد احتاجه بالطريقة دي.
حامل؟
هزت راسها آه وهي مش قادرة تبص له.
وأبوه؟
سكتت وسكوتها كان أوضح من أي كلام.
قعد قدامها لأول مرة في حياته قدام شغالة، مش كصاحب بيت لكن كإنسان بيسأل إنسان.
سابك؟
قالتها بصوت مكسور
في اللحظة دي، أكمل حس بحاجة غريبة بتتحرك جواه حاجة نسيها من سنين. يمكن اسمها رحمة، يمكن مسؤولية، يمكن بداية حب.
من اليوم ده، كل حاجة بدأت تتغير.
أكمل بقى ينزل المطبخ كتير مش عشان الأكل، لكن عشانها. عشان يسألها أكلت ولا لأ، تعبانة ولا لأ، محتاجة دكتور ولا لأ.
وأمل؟
كانت في الأول مرعوبة فاكرة إن ده اختبار، أو لحظة وهتعدي. بس الأيام عدت والاهتمام فضل.
مرة جاب لها فيتامينات.
مرة بعت لها دكتورة في السر.
مرة ساب لها فلوس وقال دي سلفة مش مساعدة.
كل حاجة كان بيعملها بطريقة تحفظ كرامتها وده اللي خلاها تتعلق بيه من غير ما تاخد بالها.
والأغرب إنه هو كمان بدأ يتعلق.
بدأ يلاحظ ضحكتها الصغيرة لما بتطمن.
بدأ يستنى صوتها وهي بتقول صباح الخير.
بدأ يحس إن البيت بقى فيه روح مش بسبب الفخامة، لكن بسببها.
لحد ما جه اليوم اللي كل حاجة انفجرت فيه.
نيرمين رجعت.
مش عشان ترجعه لأ. رجعت عشان تاخد حاجة نسيتها.
دخلت القصر بنفس الثقة، نفس البرود، وكأنها عمرها ما خرجت. بس كانت حاسة إن في حاجة اتغيرت حاجة مش شايفاها، بس موجودة.
ولما دخلت المطبخ شافت أمل.
وقتها نظرتها اتغيرت.
نيرمين ما كانتش غبية. الستات زيها بيشمّوا التغيير بيحسوا بيه حتى لو مفيش دليل.
إنتي لسه هنا؟ قالتها ببرود.
أمل نزلت عينيها
أيوه يا هانم.
بصت لها من فوق لتحت وبعدين عينيها وقفت عند بطنها.
إيه ده؟
الصمت كان كفيل يجاوب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة بس كانت مليانة سم
حلو بقى عندنا مفاجآت في البيت.
وفي اللحظة دي، دخل أكمل.
وقف بينهم ونظرته لأول مرة في حياته كانت واضحة حاسمة.
نيرمين أمل هتفضل هنا.
سكتت لحظة وبعدين ضحكت.
بصراحة؟ كنت متوقعة إنك تنزل لمستوى أقل بس مش للدرجة دي.
الجو تجمد.
لكن أكمل المرة دي ما سكتش.
المستوى الحقيقي هو اللي يخلي بني آدم يبقى بني آدم.
الكلمة وقعت تقيلة بس كانت حقيقية.
نيرمين قربت منه وقالت بهمس
إنت فاكر إن المجتمع هيسيبك؟ فاكر إن اسمك وشغلك وسمعتك هتستحمل فضيحة زي دي؟
بصلها بثبات
أنا عشت سنين بسمع كلام المجتمع وخسرت نفسي. المرة دي هختار نفسي.
سكتت وبعدين ابتسمت نفس الابتسامة الباردة.
يبقى استنى
ومشيت.
ومن اليوم ده، الحرب بدأت.
شائعات في الشغل.
مقالات بتلمّح.
ناس بتبعد.
شركاء بيقلقوا.
وأكمل؟
خسر حاجات كتير بس لأول مرة، ماحسش إنه خسر نفسه.
أما أمل فكانت خايفة. مش عليه عليه وعليها.
أنا ممكن أمشي قالتها له في يوم، ودموعها في عينيها.
أنا مش عايزة أبقى سبب في اللي بيحصلك.
بصلها وقرب منها بهدوء.
إنتي مش سبب إنتي الحاجة الوحيدة الصح اللي حصلتلي.
الكلمة دي كانت كفاية تغير مصيرها كله.
الشهور عدت والضغط زاد بس العلاقة بينهم كبرت.
لحد ما جه اليوم اللي أمل ولدت فيه.
كان يوم صعب طويل بس أول ما الطفل عيط، أكمل حس إن حياته بدأت من جديد.
مسك إيدها وقال
هنبدأ من الأول سوا.
وبرا المجتمع لسه بيتكلم.
بس جوا كان في بيت بيتبني من جديد.
مش بالقصر ولا بالفلوس
لكن بالحنية والصدق والحب اللي جه من أكتر مكان محدش كان متوقعه.
ومن
بقى الراجل اللي أخيرًا لقى نفسه.