شر وقسوة ابني

لمحة نيوز

ابني قالي "من النهاردة معاشك هينزل في حسابي.. إنتي مش محتاجة غير ركن تموتي فيه"، وقتها حسيت إن الجملة دي مش بس إهانة.. دي حكم إعدام اتقري عليا وأنا لسه عايشة، حكم صادر من أقرب حد لقلبي، من اللي كنت بشيله وهو طفل بين إيديا وأخاف عليه من الهوا، بس الصرخة اللي هزت البيت بالليل كانت البداية الحقيقية لنهاية جبروته، وكانت لحظة الحساب اللي اتأخرت كتير لكنها جات في معادها بالظبط.

الصرخة جت من المطبخ، حادة ومفاجئة، صوتها خلى قلبي يدق لأول مرة مش من خوف.. لكن من راحة غريبة، كأن حاجة جوايا كانت مستنية اللحظة دي من زمان، سمعت صوت خبط جامد، أطباق بتتكسر، كرسي بيقع، وأنفاس متقطعة، وابني بيصرخ باسمي بصوت عمره ما طلع منه قبل كده، صوت فيه رعب حقيقي، مش تمثيل ولا عصبية، رعب واحد اكتشف فجأة إنه مش مسيطر زي ما كان فاكر.

وأنا؟ كنت قاعدة في مكاني، على الكرسي الهزاز

في البلكونة الخلفية، متغطية بالشال القديم اللي أمي كانت عاملاه بإيديها، وببص للسما، لأول مرة من شهور بحس بالهوا وهو بيعدي على وشي مش تقيل، مش خانق، لأول مرة ماكنتش مستنية منه كلمة حلوة، ولا خايفة من خطوة جاية منه، لأول مرة حسيت إني رجعت لنفسي، ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادية، مش فيها شماتة.. لكن فيها نهاية تعب طويل.

الحكاية ما بدأتش بالصرخة دي، الحكاية بدأت يوم ما مات جوزي فجأة، سابني لوحدي بعد عمر طويل قضيناه سوا، كان هو السند، الهدوء، العقل، وبعده الدنيا كلها بقت سايبة، والبيت بقى واسع زيادة عن اللزوم، والسكوت بقى يخوف، وفي وسط الوجع ده، ظهر ابني، حضني وقال كلام كله حنية، وأنا صدقته، كنت محتاجة أصدقه، كنت محتاجة أحس إن لسه عندي حد.

دخل بيتي على أساس "كام يوم"، وأنا فتحت له الباب والقلب قبلهم، لكن الأيام عدت وهو ما اتحركش، بالعكس، بدأ يتمدد في

كل حاجة، في الأول طلبات بسيطة، فلوس صغيرة، أعذار مقبولة، وبعدين الطلبات كبرت، والأسلوب اتغير، بقى يتكلم وكأنه صاحب البيت، وأنا مجرد حد عايش عنده، بدأ يتحكم في كل تفصيلة، في أكلي، في خروجي، في فلوسي، في مين يكلمني ومين لأ، وأنا ساكتة، مش ضعف بس، لكن خوف من الوحدة، من إني أرجع لنقطة الصفر من غير حد.

لحد اليوم اللي خدني فيه البنك، ومضاني على الورق، قاللي "عشان راحتك"، وأنا مضيت، من غير ما أقرأ، من غير ما أفكر، يمكن جوايا كنت عارفة، بس كنت بهرب من الحقيقة، ومن بعدها حياتي بقت مش بتاعتي، الفلوس بتتسحب، القرارات بتتاخد من غيري، وبقى يديني مصروف من فلوسي وكأنه بيتصدق عليا، ويعاملني كأني عبء.

لكن الغلطة الكبيرة اللي عملها، إنه افتكرني خلاص انتهيت، إنه كسرني للأبد، وإن الست اللي قدامه خلاص فقدت أي قوة، وده اللي خلاه يسيب اللاب توب مفتوح، خلاه يتصرف

بثقة زيادة، وأنا لما شفت الحقيقة، لما شفت التحويلات، والشقة، والمصاريف، عرفت إن اللي قدامي مش ابني.. ده شخص غريب، شخص استغل ضعفي وخان كل حاجة بينا.

في اللحظة دي، ماعيطتش، ما انهارتش، بالعكس، حسيت بهدوء غريب، كأن كل حاجة بقت واضحة، وعرفت إن النهاية لازم تيجي.. بس بطريقتي أنا.

في نفس اليوم، خرجت بهدوء، وروحت لمحامي جوزي، وريته كل حاجة، كل ورقة، كل تحويل، كل دليل، وبدأنا نشتغل من غير ما حد يحس، سحبنا التوكيل، جمدنا الحسابات، وبلغنا الجهات المختصة، وكل ده وهو فاكر إنه مسيطر، فاكر إنه كسب.

رجعت البيت، طبخت له كعادتي، اتعاملت عادي جداً، وهو كان مرتاح، ضامن إن كل حاجة في إيده، لحد اللحظة اللي دخل فيها المطبخ بالليل، وفتح الدرج اللي كان حاطط فيه الفلوس اللي سحبها قبلها بيوم، ولقاه فاضي، وبعدين حاول يدخل على حساباته من موبايله، لقاها متقفلة، وبعدين

سمع خبط على الباب.

تم نسخ الرابط