شر وقسوة ابني

لمحة نيوز

الصرخة اللي طلعت منه وقتها كانت صرخة واحد فهم الحقيقة متأخر، فهم إنه اتكشف، وإن كل اللي عمله رجع له في ثانية، دخل يجرى يدور عليا، ينادي باسمي، وأنا لسه قاعدة مكاني، مستنية.

وقف قدامي، وشه أبيض، عينه فيها خوف عمره ما بان قبل كده، وقال بصوت مهزوز "إنتي عملتي إيه؟"، بصيت له بهدوء، وقلت "رجعت حقي"، بس الكلمة كانت تقيلة عليه أكتر من أي حاجة، لأنه عمره ما تخيل إن الست اللي كان بيقول لها "ركن تموتي فيه" هي اللي هتخليه يقف كده، مكسور، مش عارف يعمل حاجة.

الباب خبط تاني، والمرة دي كان واضح، رجال جايين ينفذوا القانون، وهو واقف مش مستوعب، وأنا قمت بهدوء، عدلت الشال على كتفي، ومشيت ناحية الباب، فتحته من غير تردد، ووقتها بس حسيت إن البيت رجعلي، إن نفسي رجعتلي.

اتاخد قدام عيني، وهو بيبصلي بنظرة مليانة صدمة وخيانة، نفس النظرة اللي كنت بحسها أنا طول الشهور اللي فاتت، بس الفرق إني ما كنتش بصوت عالي، أنا كنت بسكت وأتوجع، وهو صرخ لأنه ما استحملش الحقيقة.

قفلت الباب، ورجعت لمكاني، قعدت على الكرسي الهزاز، وبصيت للسما تاني، المرة دي وأنا متأكدة إن كل حاجة انتهت، مش نهايتي أنا.. لكن نهاية الجبروت اللي عاش تحت سقفي وافتكر نفسه أقوى مني.

وفي الليلة دي، نمت لأول مرة من غير خوف، من غير وجع، من غير إحساس إني ضيفة في بيتي، لأن الحقيقة مهما اتأخرت.. لازم تيجي، واللي يظلم.. لازم في يوم يسمع صرخته وهو بيتحاسب.

النوم اللي جالي الليلة دي ماكنش مجرد راحة جسم.. كان راحة روح اتسحبت

منها سنين طويلة من القهر والخوف، صحيت تاني يوم على ضوء الشمس داخل من الشباك كأنه بيزورني لأول مرة، مع إني عايشة في نفس البيت بقالها عمر، لكن الفرق إن البيت رجع "بيتي" فعلاً، مابقاش في حد بيكتم نفسي ولا بيحسب عليا كل نفس، قمت بهدوء، عملت قهوتي بإيدي، وقعدت في نفس البلكونة اللي شهدت على كل لحظة ضعف وقوة، بس المرة دي وأنا حاسة إني شخص تاني، مش الست اللي كانت بتخاف من ابنها، لكن ست استرجعت نفسها.

الهدوء ما استمرش كتير، التليفون بدأ يرن، أرقام غريبة، ناس بتسأل، ناس بتلمّح، وناس بتتكلم بصوت واطي كأنهم بيحكوا سر كبير، الخبر انتشر أسرع ما توقعت، "ديفيد" اتقبض عليه بتهمة استغلال وتزوير وسحب أموال بدون حق، واللي حصل ما كانش بسيط، لأن المحامي قدر يثبت كل حاجة، كل تحويل، كل ورقة، كل توقيع اتاخد مني بالخداع، وده خلا القضية تقلب من مجرد خلاف عائلي لكارثة قانونية بالنسبة له.

في الأول، قلبي شدني ناحيته، مهما حصل هو ابني، الدم عمره ما بيبقى سهل، لكن كل ما أفتكر كلمته "ركن تموتي فيه"، وكل ليلة كنت بنام فيها مكسورة، وكل مرة حسيت إني مالياش قيمة، قلبي كان بيرجع يقسى تاني، مش كره فيه، لكن عدل لنفسي اللي ظلمتها بإيدي لما سكتت.

بعد كام يوم، جالي اتصال من القسم، طلبوا إني أروح عشان أقوال إضافية، لبست بهدوء، نفس الشال، ونزلت، وأنا داخلة المكان شفت وشه من بعيد، قاعد، مكسور، مش شايف حد، ولأول مرة حسيت إنه صغير.. ضعيف.. مش الشخص اللي كان مسيطر عليا، عينه جات في عيني، وفي اللحظة

دي كان في ألف كلام بينا من غير ولا كلمة، ندم، خوف، استغراب، ويمكن حتى رجاء.

طلب يقابلني، وافقت، قعد قدامي وسكت شوية، وبعدين قال بصوت واطي "أنا غلطت"، كلمتين بس، لكن كانوا تقال عليه كأنه شايل جبل، سألته بهدوء "غلطت إزاي؟"، سكت تاني، لأنه عارف إن الغلط مش كلمة، الغلط حياة كاملة اتبنت على استغلال وخداع، حاول يبرر، قال إنه كان محتاج، وإنه كان فاكر إنه هيعوضني بعدين، لكن الحقيقة كانت واضحة، هو ما فكرش فيا أصلاً، فكر في نفسه وبس.

قمت قبل ما يخلص كلامه، لأن في لحظات ما ينفعش تسمع فيها أعذار، مش لأنك قاسي، لكن لأنك لو سمعت.. ممكن تضعف، وأنا تعبت من الضعف.

القضية أخدت وقت، شهور من الجلسات والكلام والأوراق، وكل مرة كنت بحضر، كنت بحس إني بقفل باب قديم جوايا، باب كان مليان خوف واعتماد على حد ما يستاهلش، ومع كل خطوة، كنت برجع أقوى، مش بس قانونياً، لكن نفسياً، بدأت أخرج، أقابل ناس، أرجع أعيش الحياة اللي كنت مأجلاها.

البيت اتغير، مش في شكله، لكن في روحه، رجعت أفتح الشبابيك بدري، أزرع الورد اللي كان بيموت وأنا مش واخدة بالي، أضحك بصوت عالي من غير ما أبص حواليا، وأول مرة من سنين، عملت حاجة لنفسي بس، من غير ما أفكر في حد تاني.

وفي يوم الحكم، المحكمة كانت هادية، وكل حاجة خلصت بسرعة، الأدلة كانت كفاية، والحكم نزل عليه بالسجن ورد جزء كبير من الفلوس، لحظة الحكم ما كانتش انتصار زي ما الناس متخيلة، ما فيش أم بتفرح وهي شايفة ابنها بيتحكم عليه، لكن في نفس الوقت، ما حسيتش

بالذنب، لأن اللي حصل كان نتيجة اختياراته، مش قراري.

خرجت من المحكمة، والهواء كان خفيف، نفس الإحساس اللي حسيت بيه ليلة الصرخة، بس أهدى، أعمق، كأن الدنيا بتقول لي "خلاص.. عدت".

عدت شهور بعدها، حياتي بقت مستقرة، لكن في حاجة واحدة ما كنتش متوقعة، رسالة جتلي من السجن، بخط إيده، فتحتها بإيد بتترعش شوية، لقيته بيكتب عن ندمه، عن إنه بدأ يفهم، عن إنه بيطلب فرصة تانية، ما طلبش فلوس، ولا مساعدة، طلب بس إني ما أنساش إنه ابني.

الرسالة فضلت في إيدي وقت طويل، قريتها أكتر من مرة، وكل مرة كنت بحس بحاجتين متناقضتين، وجع.. وهدوء، وفي الآخر، حطيتها في درج وقفلته، مش تجاهل، لكن تأجيل، لأن في قرارات بتحتاج وقت أكبر من مجرد عاطفة.

عدت الأيام، وفي مرة وأنا قاعدة في البلكونة، نفس المكان، نفس الكرسي، نفس السما، لكن أنا مش نفس الشخص، فكرت في كل اللي حصل، وابتسمت، لأن النهاية اللي بدأت بصرخة، خلصت بصمت مريح.

يمكن في يوم أسامحه، ويمكن لأ، لكن الأكيد إني سامحت نفسي، ودي كانت أصعب خطوة، لأننا أوقات بنكون أقسى على نفسنا من أي حد، وأنا أخيراً بطلت ألوم نفسي على ثقتي، وبطلت أندم على قلبي الطيب.

القصة ما كانتش عن انتقام.. كانت عن استرجاع حق، عن ست افتكرت إنها ضعيفة، وطلعت أقوى من كل اللي حواليها، وعن ابن افتكر إن القوة في السيطرة، واكتشف متأخر إن القوة الحقيقية في الرحمة.. والعدل.

وفي كل ليلة بعد كده، وأنا بقفل النور وأنام، ما بقيتش بخاف من صوت صرخة، لأن الصرخة الوحيدة اللي كانت

مرعبة فعلاً.. كانت صرخة جوايا، وسكتت أخيراً.

تم نسخ الرابط