زيارة إلي الملجأ كشفت كل شئ
أنا كمال الشناوي الراجل اللي الناس بتخاف منه قبل ما تسمع صوته، واللي اسمه بقى مرادف للقسوة والقرارات اللي مفيهاش رحمة. بس الحقيقة اللي محدش يعرفها إن كل القسوة دي كانت قشرة سميكة مغلفة قلب مات من خمس سنين، يوم ما كاريمان اختفت. مش ماتت بس لا، اختفت كأن الأرض بلعتها. قالوا حادثة، قالوا قدر، قالوا نصيب وأنا صدقت، أو بالأصح حاولت أصدق عشان أقدر أعيش.
بس في اللحظة اللي البنت الصغيرة حضنت رجلي وقالت بابا كل حاجة جوايا اتكسرت.
إيدي كانت بتترعش وأنا باخد نص القلب الدهب منها نفس السلسلة، نفس النقشة، نفس الكسر مفيش احتمال للغلط. دي كانت كاريمان جايباها مخصوص يوم ما عرفت إنها حامل، وقالتلي وقتها ضاحكة لو جت بنت هنديها دي، ونقسم القلب نصين نص معاها ونص معاك، عشان تفضل دايماً مربوطة بينا.
وقتها ضحكت ومكنتش أعرف إن الضحكة دي هتبقى آخر ذكرى طبيعية بينا.
بصيت للبنت نور الاسم نفسه اللي كنا مختارينه.
الدنيا سكتت حواليّا. صوت صافي وهي بتزعق، ومديرة الدار وهي بتبرر، والحرس اللي بيحاولوا يشدوا البنت كله اختفى. مكنتش شايف غير عيونها نفس عيون كاريمان، نفس اللمعة، نفس الحزن اللي مستخبي ورا طفولة اتسرقت منها.
شدّيت البنت ليّ ومنعت أي
المديرة اتوترت أكتر وقالت بسرعة يا فندم دي حالة صعبة، أمها كانت ست مش كويسة وسابتها
قاطعتها وأنا ببص في عينيها كلمة كمان عن أمها وأنا هقفل المكان ده فوق دماغك.
سكتت فوراً بس نظرتها فضحتها. كانت خايفة مش بس من سلطتي، لا، من حاجة تانية.
ركعت قدام نور، ومسحت دموعها بإيدي، وسألتها بهدوء مين قالك إني بابا؟
قالت وهي بتتمسك فيا أكتر ماما ماما كانت دايماً بتقولك اسمه كمال وإنك هتيجي بس اتأخرت.
الكلمة الأخيرة كسرتني.
اتأخرت
فضلت ساكت ثواني وبعدين سألتها ماما فين يا نور؟
وشها اتغير وحضنت السلسلة بإيديها الصغيرة وقالت نامت ومصحيتش تاني.
قلبي اتقبض.
بصيت للمديرة تاني المرة دي بنظرة مفيهاش أي رحمة عايز كل ملفات البنت دي دلوقتي.
صافي قربت مني وهمست بعصبية كمال إنت مش هتصدق الهبل ده؟ دي لعبة عيال شوارع
بصيتلها نظرة خلتها تسكت فوراً، وقلت لو كلمة كمان طلعت منك الجواز ده مش هيكمل.
اتجمدت مكانها.
خدت نور في حضني لأول مرة وكانت خفيفة خفيفة بشكل يخوف، كأنها مش بتتغذى كويس، كأنها عايشة على بقايا حياة مش على حياة كاملة. وهي حطت راسها على كتفي وكأنها أخيراً لقت الأمان.
في اللحظة دي
البنت دي هتيجي معايا.
المديرة اتلجلجت يا فندم الإجراءات
أنا الإجراءات.
في العربية، نور كانت نايمة في حضني ماسكة في قميصي بإيديها الصغيرة، كأنها خايفة أصحى واختفي. وأنا كنت ببص عليها ومش مصدق. خمس سنين وأنا عايش على فكرة إن كل حاجة انتهت وفجأة الحياة رجعتلي في شكل طفلة.
بس السؤال اللي كان بيقتلني كاريمان عاشت إزاي؟ وراحت فين؟ وليه بنتي اتسابِت في ملجأ؟
أول ما وصلنا القصر، أمرت الخدم يجهزوا أوضة لنور فوراً، واستدعيت دكتور يفحصها. التقارير كانت واضحة سوء تغذية، إهمال، وآثار نفسية من خوف مستمر.
كل ده وبنتي كانت عايشة وأنا مش عارف.
في نفس الليلة، وصلني ملفها من الدار.
وأول صفحة فيه كانت القنبلة.
اسم الأم كاريمان بدون لقب
تاريخ الدخول للدار بعد الحادثة بشهرين.
وقفت مكاني إيدي بتشد على الورق.
يعني هي نجت.
يعني كانت عايشة.
يعني اختارت تختفي.
قلبت الصفحات بسرعة لحد ما وصلت لملاحظة بخط إيد
الأم كانت في حالة صحية ونفسية سيئة، رفضت الإفصاح عن أي بيانات، وتركت الطفلة مع سلسلة ذهبية، وغادرت ولم تعد.
الورقة وقعت من إيدي.
ليه يا كاريمان؟
ليه تسيبيني أدفنك وأنا عايش؟
ليه تحرمي بنتنا مني ومن نفسها؟
في اللحظة دي الباب خبط،
قاطعتها بهدوء مرعب الجواز اتلغى.
اتجمدت إيه؟
كل حاجة اتلغت الشراكة، الجواز، كل شيء.
إنت اتهبلت؟ عشان عيلة من الشارع؟
قربت منها خطوة واحدة، وقلت دي بنتي.
سكتت وبصتلي بعدم تصديق.
ولو حد حاول يقرب منها هيمشي من حياتي للأبد.
خرجت وهي مصدومة.
عدت أيام وأنا مع نور كل يوم بحاول أعوضها عن سنين اتسرقت. كانت بتخاف في الأول تصحى من النوم مفزوعة، تدور عليّا وأنا كنت بفضل جنبها لحد ما تنام.
وفي يوم سألتني بصوت صغير بابا إنت مش هتسيبني زي ماما؟
السؤال وجعني أكتر من أي حاجة.
حضنتها وقلت عمري ما هسيبك.
بس جوايا كنت عارف إن القصة لسه مخلصتش.
كاريمان مش ممكن تختفي كده من غير سبب.
وبدأت أدور.
حفرت في كل سجلات الحادثة وكل ما بدور، كل ما بلاقي تناقضات. شهود اختفوا، تقارير اتغيرت، تفاصيل متمسحة كأن حد متعمد يخفي الحقيقة.
لحد ما وصلت لاسم واحد بيتكرر في كل خيط.
شريك قديم كان بيني وبينه صفقات ضخمة زمان.
وساعتها فهمت.
الحادثة ما كانتش حادثة.
كانت محاولة قتل.
والأصعب
إن كاريمان نجت بس كانت مطاردة.
عشان كده اختفت.
عشان كده سابت نور.
عشان تحميها
وقتها بس عرفت الحقيقة اللي كسرتني بجد.
أنا كنت الخطر.
أنا كنت السبب.