اللقمة الأخيرة
مرّت أيام بعد اللي حصل، بس الحقيقة إن الأيام الأولى بعد أي انهيار كبير بتكون مش هدوء.. بتكون صدمة ممتدة.
البيت كان ساكت بشكل غريب.. السكوت اللي كنت زمان بخاف منه، بقى دلوقتي مريح، بس مش مريح بالكامل.. لأنه كل ما أهدى، كانت الذكريات ترجع تضربني زي موجة تقيلة.
صورة عمر وهو بيتسحب من البيت ما كانتش بتفارقني.. حتى وأنا بعمل شاي أو بفتح الشباك.
وحسين كان موجود، بس بشكل مختلف.. مش داخل حياتي، بس واقف على طرفها، زي حد بيحرس باب قديم اتقفل.
في يوم، وأنا قاعدة في الصالة، التليفون رن.
رقم غريب.
اترددت.. وبعدين رديت.
الصوت من الناحية التانية كان واطي ومكسور ماما
جسمي كله اتجمد.
عمر.
ما قدرتش أرد.
هو كمل بسرعة أنا مش جاي أطلب أرجع.. أنا بس عايز أقولك حاجة واحدة.
سكت لحظة.. وكمل أنا كنت مريض.. مش بس غلطان.
الكلمة دي وقعت جوايا تقيلة.
مش عارفة أرد عليه بإيه.. غضب؟ شفقة؟ خوف؟
هو كمل الدكتور بيقول إني عندي اضطراب في السيطرة على الغضب.. وأنا طول عمري كنت بكذب على نفسي.. وعلى الناس.
سكت تاني، وبعدين قال بصوت بيتهد أنا فاكر كل حاجة.. إيدي اللي
سمعت نفسي وأنا بقول بصوت مش ثابت إنت دلوقتي فين؟
قال في مركز علاج.. زي ما أبويا قال.
سكتنا.
لحظة صمت كانت أطول من أي كلام.
وبعدين قال أنا مش بطلب تسامحي دلوقتي.. أنا بس عايز أعرف.. إنتي بخير؟
الكلمة دي كسرتني من جوه.
مش عشان قسوتها.. لكن عشان بساطة السؤال بعد كل الخراب.
قلت له بهدوء أنا بتعلم أكون بخير.
قفل المكالمة من غير ما يقول وداع.
وقعدت مكاني مش قادرة أتحرك.
حسين كان واقف عند الباب، واضح إنه سمع جزء من المكالمة.
قال بهدوء هو بدأ يواجه.
بصيت له وقلت وإحنا؟
سكت لحظة، وبعدين قال وإحنا بنكمل.
الأيام اللي بعدها كانت مختلفة.
مش كلها راحة.. لكنها كانت بداية ترتيب الفوضى اللي جوايا.
بدأت أرجع أخرج.. أروح السوق.. أتكلم مع الناس من غير ما أبقى شايلة جبل على كتافي.
لكن الحاجة اللي كانت بتتغير ببطء.. هي أنا.
كنت كل مرة أقف قدام المراية، أشوف ست تانية غير اللي كانت بتقول معلش عشان البيت.
في مرة، وأنا راجعة من الشغل، لقيت حسين مستنيني قدام البيت.
ما اتكلمش في الأول.
بس كان باين عليه إنه جاي بكلام تقيل.
قال في حاجة لازم تعرفيها.
قلبي دق بسرعة.
قال عمر قبل ما يحصل كل ده.. كان في حد بيدفعه للغلط.
سكت.
كمل واحد من أصحابه.. أو بمعنى أصح.. اللي كان بيستغله.
بصيت له يعني إيه؟
طلع ورقة من جيبه.
دي تسجيلات.. ومحادثات.. وفلوس كانت بتتسحب من حسابك بشكل غير مباشر.
حسيت الأرض بتتهز.
مش بس ابني كان بيتكسر.. كان كمان بيتسحب من وراه خيط خفي.
قلت له يعني عمر كان ضحية؟
قال بهدوء كان ضحية وغلطان في نفس الوقت.
الكلمة دي كانت أصعب حاجة.
لأنها مش أبيض أو أسود.. دي منطقة بتوجع أكتر.
بعد أسبوعين، حسين طلب مني أقعد معاه.
قعدنا في نفس السفرة القديمة.
لكن المرة دي مكنش في فطار.. كان في أوراق تانية.
قال أنا خلصت كل الإجراءات القانونية.. لكن في قرار مهم لازم تاخديه إنتي.
بصيت له قرار إيه؟
قال عمر لما يخرج من العلاج.. هيحتاج يرجع لمكان آمن أو يبدأ حياة جديدة بعيد عن البيئة القديمة.
سكت.
وبعدين قال الجملة اللي خلت قلبي يقف هو عايز يشوفك.
أنا ما رديتش بسرعة.
حسيت بإني واقفة بين نارين.. أم لسه مجروحة.. وست عايزة تعيش.
قلت وأنا؟
قال إنتي مش مجبرة على حاجة.
سكت لحظة وبصلي بس لو ماواجهتيش ده.. هيفضل الجرح مفتوح جواكي للأبد.
الليلة دي ما نمتش.
قعدت على الكنبة لحد الفجر.
وبعد صراع طويل جوايا.. قررت.
بعد أسبوع، رحت المركز.
مش المكان اللي كنت أتخيله أبدًا إني أدخله.
عمر كان قاعد في قاعة صغيرة.
أول ما شافني.. وقف.
لكن مكنش نفس الولد اللي كان بيصرخ أو يهدد.
كان شكله أهدى.. أضعف.. أقرب للإنسان من أي وقت.
وقفنا قدام بعض من غير كلام.
هو قال بصوت واطي أنا مش عارف أبدأ منين.
قلت ابدأ من الحقيقة.
سكت.
وبعدين دموعه نزلت.
دموع مش زى أول مرة كان بيغضب فيها.. دي كانت دموع إدراك.
قال أنا كسرتك.
قلت بهدوء وكسرت نفسك قبلها.
سكتنا.
وبعدين قلت بس لسه في حياة.
بعد اللقاء ده، مفيش حاجة رجعت زي الأول.
بس كمان.. مفيش حاجة فضلت زي ما كانت.
عمر بدأ رحلة علاج حقيقية.
وأنا بدأت رحلة تانية.. اسمها مش بس أم.
حسين اختفى تدريجيًا من الصورة.. بس ساب وراه حاجة أهم من وجوده نفسه.. ساب أمان.
وفي يوم، وأنا واقفة في المطبخ، نفس المكان اللي بدأ فيه كل شيء.. لقيت نفسي بضحك.
ضحكة صغيرة.
بس حقيقية.
وساعتها فهمت حاجة
مش
في نهايات بتكون بداية حياة جديدة..
حياة مش كاملة..
بس أخيرًا.. حياتي أنا.
مرّت