اللقمة الأخيرة

لمحة نيوز

شهور بعد المواجهة في المركز، وشهور زي دي ما بتكونش وقت عدى دي بتكون حياة بتتشكّل من جديد.
الهدوء اللي دخل البيت في البداية كان غريب عليّا لدرجة إنه كان بيخليني أصحى بالليل أفتّش عن سبب خوف مش موجود. كأن جسمي لسه متعود على الخطر حتى بعد ما الخطر اختفى.
لكن مع الوقت بدأت أفهم إن الخوف لما يسيب مكانه، بيسيب فراغ كبير لازم يتملأ.
بدأت أشتغل أكتر في المكتبة، وابتديت أتكلم مع زميلاتي من غير ما أهرب بسرعة. حتى صوتي نفسه بدأ يرجع له نبرة كانت مستخبية سنين.
في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت حسين مستنيني بس المرة دي ما كانش واقف في وضع القرار ولا المواجهة كان واقف بشكل هادي، شبه حد جاي يطمن مش يغير مصير.
قال في حاجة حصلت.
قلبي اتقبض فورًا عمر؟
هز راسه خرج من المركز مؤقتًا.
سكت.
وبعدين قال مفيش خطر دلوقتي بس في خطوة لازم يعرفها بنفسه.

أنا ما رديتش، بس حسيت إن رجلي تقيلة.
قال هو عايز يشوفك مش في مواجهة.. في بداية جديدة.
الطريق للمكان كان طويل بشكل مختلف مش بسبب المسافة، لكن بسبب الأفكار اللي في دماغي.
كل خطوة كنت بخطوها كنت بسأل نفسي أنا رايحة أعمل إيه؟ أفتح باب؟ ولا أقفل آخر جرح؟
لما وصلت، لقيته قاعد في حديقة صغيرة.
ما رفعش عينه بسرعة، كأنه خايف يشوف رد فعلي.
لكن لما بص عينيه كانت مختلفة.
فيها هدوء مش معتاد عليه.
قال بصوت واطي أنا اتغيرت بس عارف إن الكلمة دي ملوش معنى لو مفيش فعل.
سكت.
وبعدين كمل أنا فاكر كل حاجة عملتها. ومش جاي أبرر.
أنا قعدت قدامه، من غير ما أقاطعه.
هو كمل أنا كنت فاكر إن القوة إني أفرض نفسي لكن طلعت القوة إني أوقف نفسي.
سكت لحظة، وبعدين قال أنا مش طالب رجوعك ليا كأمّي القديمة اللي كانت بتسامح وخلاص أنا عايز أعرفك تاني كإنسان.
الكلمة
دي خلت قلبي يتحرك.
لكن مش بنفس الطريقة القديمة.
قلت وإيه اللي يخليني أصدقك؟
سكت.
وبعدين طلع ورقة صغيرة من جيبه.
دي خطة علاج طويلة ودي شهادات التزام ودي خطوات قانونية عملتها عشان أصلّح اللي أفسدته مش بس معاك مع نفسي.
بص لي أنا مش بطلب ثقة.. أنا بطلب فرصة زمن.
الصمت اللي حصل بعد كده كان مختلف.
مش صمت خوف صمت قرار.
قلت له أنا مش نفس الست اللي كانت بتخاف تخسرك.
بص لي.
كملت أنا اتعلمت أعيش من غير ما أكون مسحوبة في دوامة حد تاني.
سكت.
وبعدين قلت لو في طريق جديد يبقى لازم يكون على الحقيقة مش على الذنب.
هز راسه ببطء.
مرت أسابيع بعدها، العلاقة ما رجعتش أم وابن بالشكل القديم، لكنها ما فضلتش عداء برضه.
بقت مساحة اسمها إعادة بناء.
هو كان بييجي جلسات علاج، وكان بيبدأ يشتغل في شغل بسيط بعيد عن كل اللي كان يعرفه.
وأنا كنت بتعلم أقول لأ من
غير ما أرتعش.
وفي يوم، وأنا قاعدة في المطبخ، نفس المكان اللي بدأ فيه كل الانفجار الأول افتكرت اللحظة اللي اتضربت فيها.
بس الغريب إن الذكرى ما جابتش انهيار.
جابت وعي.
حسيت إني مش نفس الشخص اللي كان واقف وقتها.
الباب اتفتح.
حسين دخل بهدوء.
قال إنتي كويسة؟
ابتسمت لأول مرة من غير ما أفكر.
وقلت أيوه بس بطريقة مختلفة.
قعد.
وبص حواليه وقال البيت بقى أخف.
قلت لأ أنا اللي بقيت أخف.
سكت لحظة.
وبعدين قال أخطر حاجة في القصة دي مش اللي حصل لكن إنك كنتي هتفضلي ساكتة.
هزيت راسي.
في آخر الليل، بعد ما الكل مشي، وقفت عند الشباك.
الشارع كان هادي.
والمنصورة زي ما هي بس أنا مكنتش زي ما أنا.
افتكرت كل حاجة
الخوف الصراخ الضربة السكوت القرار البداية الجديدة.
وابتسمت.
مش لأن كل شيء اتصلح.
لكن لأنّي لأول مرة فهمت إن الحياة مش محتاجة تبقى كاملة عشان
نكملها.
بس محتاجة حد يقرر إنه يعيشها.
والمرة دي
القرار كان قراري أنا.

تم نسخ الرابط