أبويا هبد وشي في طبق العشا قدام الكل من غير أي مقدمات كأن اللحظة دي متحضّر ليها من سنين مش من ثواني، ووشي غطسته البطاطس المهروسة والصوص السخن لدرجة إني حسّيت جلدي بيولع أكتر من الإهانة نفسها، والسكوت اللي بعدها كان أقسى من أي صوت في الدنيا لأن القاعة كلها اتجمدت لحظة وبعدين انفجرت ضحك وهمهمات وتمتمات كأن اللي حصل مجرد مشهد مسلّي في سهرة عادية مش كسر لإنسانة قدام أهلها، رفعت عيني بالراحة وأنا بمسح الأكل من وشي بإيدي اللي بترتعش وشفت أمي قاعدة زي ما هي ماسكة الكوباية وبتشرب بهدوء كأنها بتستمتع بالعرض وقالت بابتسامة باردة على الجنب على الأقل كدة بقيتي تنفع تتشافي وأبويا كان راجع بضهره وبيبصلي بنظرة انتصار كأنه خلص معركة مهمة وقال بصوت عالي قدام الكل هي ملهاش قيمة أصلاً مجرد ديكور على سفرتي مش أكتر والناس حواليه ما بين اللي بيبص وبيضحك واللي بيبص ويسكت واللي بيبص في تليفونه كأن الإهانة محتاجة توثيق وأنا واقفة حاسة إني مش موجودة في المكان ده كإنسانة لكن كحاجة بيتفرجوا عليها وبس لحد ما عيني وقعت على الشخص اللي قاعد في آخر التربيزة واللي مكنش باين إنه من العيلة
أصلاً كان هادي بشكل غريب وبيصور بس مش زي باقي الموبايلات اللي بتهزر أو بتوثق للضحك ده كان بيركز كأنه بيراقب حاجة مهمة أوي وأنا ساعتها حسيت لأول مرة إن فيه حاجة غلط مش فيا أنا لكن في المشهد كله أبويا شاور لي بإيده كأني خدامة وقال قومي يلا نظفي نفسك وبطلي دراما وأنا ماسكة المنديل وبحاول أبلع الدموع بالعافية لكن قبل ما أقوم الشخص اللي في آخر التربيزة قام بهدوء شديد وقال بصوت خلى كل حاجة تسكت في ثانية واحدة ممكن نوقف العشا هنا لو سمحتوا لأن اللي حصل دلوقتي مش هزار وأنا مش جاي ضيف أنا جاي بصفتي محامي ومعايا تسجيلات من سنين لأحداث في البيت ده وأول ما الكلمة دي طلعت الدنيا كلها اتشقلبت في اللحظة دي أبويا ضحك ضحكة عصبية وقال أنت مين أصلاً فرفع التليفون وقال أنا اللي معايا بلاغات موثقة ضد حضرتك في قضايا عنف أسري واستغلال وتهديد وابتزاز وفتح فيديو على الشاشة اللي كان موصلها بتليفونه على التلفزيون الكبير في الصالة وفجأة ظهر صوت وصورة لليالي كتير في البيت ده مش الليلة دي بس لليالي قديمة فيها نفس الصراخ ونفس الإهانة ونفس الكسر وأنا واقفة قدامهم وأنا صغيرة أكتر وأكتر
وكل مرة أبويا بيرفع إيده وكل مرة أمي قاعدة بنفس الابتسامة أو ساكتة أو بتشجع بشكل غير مباشر والصورة كانت بتعرض كل حاجة محدش كان عايز يفتكرها وفجأة ملامح أمي اتغيرت أول مرة أشوفها مرعوبة وأبويا وقف مكانه كأنه اتسمر والموبايلات اللي كانت بتصور بدأت تهتز في إيد الناس لأنهم بدأوا يفهموا إنهم مش بيتفرجوا على حفلة عائلية لكن على أدلة والشخص ده كمل وقال بهدوء القانون بقاله فترة بيجمع ملفات عن البيت ده وفي قرار حماية صدر بالفعل لصالح البنت دي وفي إجراءات هتتخذ حالاً ومع الكلمة دي سمعنا صوت خفيف برا الباب وبعدين الباب اتفتح ودخل اتنين بشكل رسمي وأبويا لأول مرة صوته يعلى بس مش بثبات لا بارتباك بيقول إيه ده إنتوا بتعملوا إيه في بيتي لكن مفيش حد رد عليه لأن كل العيون كانت اتقلبت فجأة من عليه للشخص اللي كشف الحقيقة وأنا حسيت إن الأرض اللي كنت واقفة عليها طول عمري وهي بتتهز تحت رجلي بقت لأول مرة ثابتة رغم الخوف وأمي اللي كانت لسه ماسكة الكوباية وقفت فجأة وقالت باستعطاف مصطنع الموضوع مش كده ده سوء فهم لكن الشخص رد عليها وقال لأ ده تسجيل مش سوء فهم ودي مش أول مرة وإنتي كنتي
جزء من السكوت ده والسكوت أحياناً بيبقى جريمة وأبويا حاول يقرب منه لكن اتمنع في لحظة واتقاله إن أي حركة زيادة هتخلي الموضوع قانوني أكتر من كده بكتير واللي حصل بعد كده مش بس إنهار أبويا قدام الناس لكن انهارت الصورة اللي كان عاملها عن نفسه سنين والليلة اللي كانت معمولة عشان يثبت فيها إنه السيد المطلق انتهت وهو واقف مش عارف يبرر ولا يصرخ ولا يسيطر وأنا لأول مرة ما كنتش ببصله بخوف لكن ببصله كأنّي بشوفه على حقيقته مش أكتر ومع الوقت الناس اللي كانت بتضحك بدأت تسكت واللي كان بيصور قفل الموبايل واللي كان بيتفرج نزل عينه لأن المشهد بقى تقيل أوي والشخص اللي كشف كل ده قرب مني وقال بهدوء إحنا مش جايين نفضحك إحنا جايين نوقف اللي بيحصل ونبدأ حماية حقيقية ليكي ومن اللحظة دي حياتك مش هتفضل زي ما هي وأبويا في اللحظة دي بصلي نظرة مختلفة فيها حاجة بين غضب وخوف وانكسار وأمي سقطت الكوباية من إيدها على الأرض واتكسرت لأول مرة في حياتها وأنا واقفة في نص التربيزة اللي كانت مسرح لإهانتي طول عمري حسيت إن الدور اللي كنت فيه انتهى وإن فيه باب بيتفتح قدامي حتى لو كان الطريق اللي بعده
مش