خذلان الأهل

لمحة نيوز

كراسي أول صف فاضية… وقلبي كان أهدى من أي وقت فات، هدوء غريب كأنه جاي بعد عاصفة طويلة جدًا، العاصفة اللي اسمها “محاولة إرضاء ناس عمرهم ما شافوك أصلًا”. وقفت قدام الميكروفون، وبصيت للكراسي اللي كان المفروض يبقى فيها أمي وأبويا وأختي، بس كانت فاضية… فاضية بطريقة بتوجع أكتر من أي كلام ممكن يتقال. ابتسمت ابتسامة خفيفة، مش للناس… لنفسي، كأني بقول لها: “خلاص… فهمتي الدرس أخيرًا”.

سكتت ثواني، والقاعة كلها هديت، مستنيين كلمة الشكر التقليدية، نفس الكلام اللي بيتكرر كل مرة… بس أنا ماكنتش نفس الشخص اللي كتب الورقة دي من شوية. أخدت نفس عميق وقلت بصوت ثابت: “أنا مش هقرأ الورقة اللي في إيدي… لأن الحقيقة عمرها ما كانت فيها.” الناس بصت لبعضها باستغراب، والدكاترة رفعوا عينيهم ناحيتي باهتمام، وأنا كملت: “النهاردة المفروض أقول شكراً لأهلي… بس الحقيقة إني مش عارفة أشكرهم على إيه بالظبط… على الغياب؟ ولا على إني طول عمري كنت الخطة التانية؟”

همهمة خفيفة بدأت في القاعة، بس أنا ماوقفتش. “أنا طول عمري كنت بسمع كلمة: استحملي عشان أختك… سيبي عشان أختك… اسكتي عشان أختك… لحد ما بقيت أنا نفسي مش سامعة صوتي. كنت فاكرة إن النجاح هيخليني مرئية… إن لو بقيت دكتورة، يمكن حد يبص لي بنفس الفخر اللي بيبصوا

بيه لغيري.” ضحكت ضحكة خفيفة فيها وجع، وكملت: “بس واضح إن حتى النجاح ليه ترتيب… وأنا مش فيه.”

بصيت تاني للكراسي الفاضية وقلت بهدوء: “النهاردة، أنا واقفة هنا لوحدي… بس لأول مرة، الوحدة دي مش بتكسرني… بالعكس، هي اللي مصحّياني.” حسيت دموعي بتقرب، بس ما نزلتش، كأنها رفضت تظهر قدام حد. “أنا مش زعلانة إنكم مش هنا… أنا زعلانة إني استنيتكم كل ده.” سكت لحظة، وبعدين ابتسمت ابتسامة أوضح: “بس كفاية بقى.”

القاعة كانت ساكتة تمامًا، كأن كل واحد بيسمع حاجة شبهه. “أنا بشكر نفسي… على كل ليلة سهرت فيها لوحدي، على كل مرة كنت بعيط فيها من غير ما حد يحس، على كل مرة وقعت وقمت من غير سند… أنا بشكر البنت اللي فضلت تحاول رغم إنها عمرها ما كانت الاختيار الأول.” حسيت لأول مرة إن صوتي طالع من قلبي بجد، مش من ورقة.

“ومن النهاردة… أنا مش هكون الخطة الاحتياطية لحد، ولا هقيس قيمتي بوجود حد أو غيابه… أنا كفاية. واللي مش شايف ده… مش مشكلتي.” ابتسمت وأنا بقول آخر جملة: “مبروك ليّا… أنا وصلت رغم كل حاجة.”

سكتت… وبعدها القاعة انفجرت تصفيق، مش تصفيق مجاملة، لأ… كان تصفيق فيه احترام، فيه إحساس، فيه تقدير حقيقي. نزلت من على المسرح وأنا حاسة إن الحمل اللي كنت شايلته سنين اتشال في لحظة. ما دورتش على حد… ما استنيتش

حد يجري عليّ… كنت ماشية بثبات كأن الأرض أخيرًا بقت ثابتة تحتي.

بعد الحفلة، فتحت الموبايل لقيت مكالمات كتير من أمي وأبويا… ورسالة من أختي فيها فيديوهات من المصيف وضحكهم… وتحتها جملة: “آسفين ما عرفناش نجيلك، بس أكيد فاهمة.” بصيت للشاشة شوية… وبعدين قفلتها بهدوء. مش كره… ولا حتى غضب… بس خلاص، الحاجة اللي كانت بتربطني بيهم بالشكل القديم انتهت.

عدت أيام، وبدأت حياتي الجديدة… شغل في الجامعة، ناس جديدة، صحاب بيحبوني بجد، مش عشان أنا “أخت حد”، لكن عشان أنا سارة. بقيت أرجع البيت وأحس براحة… مفيش مقارنة، مفيش صوت بيقول لي “مش كفاية”. لأول مرة، كنت بحب نفسي من غير شروط.

بعد فترة، جالي اتصال منهم تاني… المرة دي كان فيه إلحاح أكتر، صوت أمي كان فيه حنية غريبة عليّ، يمكن أول مرة أحسها… قالت لي: “وحشتينا يا سارة.” سكت شوية… وبعدين قلت بهدوء: “وأنا كمان… بس مش زي زمان.” ما قفلتش الباب… بس كمان ما فتحتهوش زي الأول. خليت بينا مسافة… المسافة اللي تحميني.

في يوم، قابلتهم… كانوا متغيرين شوية، أو يمكن أنا اللي اتغيرت. بقيت شايفاهم بوضوح… من غير ما أحاول أبرر، ولا أستحمل زيادة عن طاقتي. ابتسمت لهم… بس المرة دي، ابتسامتي كانت لنفسي الأول.

سارة اللي وقفت قدام تلات كراسي فاضية… خرجت من القاعة

دي بشخصية جديدة، مش مستنية حد يختارها… لأنها أخيرًا اختارت نفسها. والنهاية؟ مش إنهم رجعوا يحبّوها فجأة… النهاية إن سارة بطلت تحتاج ده عشان تبقى سعيدة.

مرت شهور، ويمكن لأول مرة في حياتي ما كنتش بعدّ الأيام على حاجة جاية من عندهم… لا مكالمة، ولا مناسبة، ولا حتى كلمة “فخورين بيكي”. الغريب إن الهدوء ده ماكانش موجع زي ما كنت متخيلة… بالعكس، كان شبه نسمة هوا باردة بعد سنين حر خانق. بقيت أصحى الصبح من غير ما أول فكرة تيجي في دماغي: “يا ترى ماما راضية؟ يا ترى بابا شايفني كويسة؟” السؤال ده اختفى… ومعاه اختفى جزء كبير من تعبي.

اشتغلت في الجامعة، وبقيت دكتورة بجد… مش لقب بس، لكن إحساس. الطلبة حواليا، بيبصوا لي باهتمام، بيسألوا، بيسمعوا، بيكتبوا ورايا… أول مرة أحس إن صوتي مسموع من غير ما أصرخ. كان في بنت دايمًا بتقعد في أول صف، اسمها مريم… كانت بتبص لي بنفس النظرة اللي كنت ببص بيها لأي حد ناجح زمان… خليط من إعجاب وخوف وأمل. في يوم بعد المحاضرة، استنتني وقالت لي: “هو ينفع الواحد ينجح حتى لو محدش وراه؟” السؤال ده خبط جوايا حاجة قديمة جدًا… بس المرة دي ما وجعتش، خلتني أبتسم.

قلت لها بهدوء: “ينفع… بس بشرط واحد… إنك تبقي ورا نفسك.” كانت بتسمعني كأني بديها سر، وأنا كنت بدي لنفسي القديمة

إجابة اتأخرت سنين.

تم نسخ الرابط