انتقام الأسد
أنا رأفت بيه، راجل وصلت لكل حاجة بتتمنى توصلها… فلوس، نفوذ، اسم تقيل في السوق، وقصر واسع مليان ناس… بس ولا واحد فيهم كان “بتاعي بجد”. بعد ما مراتي ماتت، حسيت إني لوحدي لأول مرة، رغم إن البيت مليان… ولادي تامر وطارق بقوا شايفينني ماكينة فلوس مش أب، وكل واحد فيهم عايش حياته كإني مش موجود، وساعتها دخلت صافي حياتي… بالكلام الحلو والاهتمام الزيادة اللي خلاني أصدق إن لسه فيه حد ممكن يحبني أنا مش اسمي.
لحد ما حصلت الحادثة… خبطة قوية غيرت كل حاجة. فقدت نظري لفترة، وبعدين رجع فجأة… بس أنا قررت أدفنه جوايا. ليه؟ عشان أول مرة في حياتي أحب أعرف الحقيقة من غير تمثيل، من غير مجاملات، من غير أقنعة.
رجعت القصر وأنا ماسك العصاية، لابس نضارة سودا، وكل خطوة باخدها كنت حاسس إنها بتقربني من كشف حاجة كبيرة. في الأول الكل كان بيهتم زيادة… صوتهم ناعم، خطواتهم محسوبة، كلامهم كله تعاطف… بس بعد أيام قليلة، كل ده بدأ يتغير.
صافي بقت تتكلم قدامي كأني مش موجود… تزهق مني، تتأفف من وجودي، تتعامل معايا كأني
أما ولادي… فدي كانت الصدمة الأكبر. كنت فاكر مهما حصل الدم عمره ما يبقى مية… لكن اللي شفته كان كفيل يكسر أي أب. كانوا بيتعاملوا معايا ببرود، سخرية، وحتى الأكل اللي بيتحطلي كان كله استهتار… ضحكهم ورا ضهري كان أعلى من أي كلمة.
وسط كل ده، كان فيه نور صغير… “هنية”. الشغالة البسيطة اللي محدش بيشوفها، لكن هي الوحيدة اللي شافتني بجد. كانت بتكلمني بحنية، تأكلني بإيدها، وتدافع عني حتى وهي عارفة إن محدش هيسمعها. كانت كل يوم تثبتلي إن الإنسانية مش مرتبطة بفلوس ولا مركز.
وفي ليلة… الليلة اللي غيرت كل حاجة… سمعت همسات، خطوات متوترة، وكلام واضح إن فيه حاجة كبيرة بتحصل. خطة… نهاية… ترتيب لحاجة ترجع كل حاجة “لأصحابها” زي ما هما شايفين. هنية سمعت زيي… بس هي تصرفت قبلي.
في لحظة واحدة، كل حاجة اتحركت بسرعة… صوت ارتباك، حركة مفاجئة، وهنية
وساعتها… ساعتها بس، قررت إن التمثيلية خلصت.
وقفت… أول مرة من غير عصاية. قلعت النضارة، وبصيت في وشوشهم واحد واحد. الصدمة اللي في عيونهم كانت أغلى من أي ثروة جمعتها في حياتي. سكتوا… اتجمدوا… كأن الزمن وقف.
قلت لهم بصوت هادي بس مليان حاجة تقطع القلب: “أنا كنت شايف… شايف كل حاجة… كل كلمة، كل حركة، كل نظرة… وكنت مستني اللحظة دي.”
اليوم ده كان بداية النهاية… بس مش النهاية اللي هما متخيلينها.
أول حاجة عملتها كانت هنية… نقلتها المستشفى، وجبت أكبر دكاترة، وقعدت جنبها لحد ما فتحت عينيها… أول ما شافتني، دموعها نزلت، وأنا لأول مرة حسيت إني مش لوحدي. وعدتها إن حقها مش هيروح.
رجعت القصر… بس المرة دي مش كـ “أعمى”… رجعت كصاحب البيت بجد. كل ورق اتراجع، كل حساب اتقفل، كل حاجة اتنضفت. عصام خرج من حياتي قبل ما ينطق كلمة، وصافي اكتشفت إن المكان اللي كانت فاكرة إنه مضمون، بقى بعيد عنها تمامًا.
أما ولادي… فكان أصعب قرار في
الأيام عدت… والبيت اتغير. الهدوء رجع… مش هدوء مزيف، لكن هدوء حقيقي. هنية بقت جزء من البيت، مش شغالة… بقت حد مننا. ولادي بدأوا يفهموا… ببطء، بغلطات، بس لأول مرة بيحاولوا.
وأنا؟ اتعلمت درس عمره ما هيتنسي… إن أسوأ عمى مش إنك متشوفش… أسوأ عمى إنك تشوف بس تختار تصدق الوهم.
ومن يومها، قررت أفتح عيني دايمًا… مش بس على اللي حواليا… لكن على نفسي كمان.
اللي حصل بعد كده ماكانش مجرد تكملة لحكاية… ده كان فصل جديد اتكتب بدم بارد وعقل صاحي لأول مرة من سنين.
بعد الليلة دي، القصر بقى ساكت بطريقة غريبة… مش سكون راحة، لا… سكون ترقّب. كل واحد فيه بقى ماشي على أطراف صوابعه، كأن الأرض تحت رجليه ممكن تفتح في أي لحظة. أنا بقيت صاحي بدري، أقعد في المكتب بالساعات، أراجع كل ورقة، كل حساب، كل توقيع كان بيتعمل وأنا “مش شايف”. كل يوم