الحاجة فوزية كانت واقفة قدام باب المستشفى بعد ما اتقفل في وشها، المطر لسه بينقط من هدومها، وإيديها بترتعش وهي شايلة علبة السمنة والذهب اللي وقعوا واتبهدلوا على الأرض، لكن وجعها الحقيقي ماكنش في البرد ولا التعب… كان في الكلمة اللي قالها ابنها، الكلمة اللي كسرت قلبها: "إنتي مش من العيلة". ركبت عربيتها وساقت راجعة على المزرعة وهي مش شايفة الطريق من الدموع، وكل ذكرى عدت قدام عينيها: يوم ما كانت بتشتغل ليل ونهار عشان تعلّمه، يوم ما باعت دهبها عشان تدخله الجامعة، يوم ما وقفت جنبه وهو بيبدأ من الصفر لحد ما بقى اسم كبير، وكل ده انتهى بكلمة واحدة… "محرجة". وصلت المزرعة، دخلت أوضتها القديمة، قفلت الباب، وقعدت على السرير تبص في الفراغ، لحد ما قامت فجأة ومسحت دموعها وقالت بصوت هادي بس مليان وجع: "اللي مايعرفش قيمة أمه… لازم يتعلم بالطريقة الصعبة". تاني يوم، الحاجة فوزية لبست بدلة رسمية لأول مرة من سنين، وركبت عربيتها واتجهت للمقر الرئيسي لمجموعة فوزية للتأمين الطبي، أول ما دخلت، كل الموظفين وقفوا باحترام، لأن الست دي مش مجرد مديرة… دي إمبراطورية ماشية على الأرض،
طلبت اجتماع عاجل مع مجلس الإدارة، وأصدرت قرار واضح وصريح: "أي حالة في مستشفى النخبة الملكي… مفيش خصومات ولا استثناءات… الكل يدفع كامل المبلغ، مهما كان اسمه"، والكل استغرب القرار المفاجئ، لكن محدش اعترض، لأن الكلمة كلمتها. بعد 3 أيام، حصل اللي كانت مستنياه، المستشفى اتصلت بشريف، الفاتورة وصلت لـ 2.8 مليون جنيه، وشريف اتجنن، حاول يشغل علاقاته، كلم أصحاب، كلم ناس في الوزارة، لكن المستشفى كانت صارمة: "الدفع كامل قبل الخروج"، وشركة التأمين رفضت تغطي لأن الحالة "خارج البوليصة"، هنا حس لأول مرة إنه محبوس، مراته بتعيط، وطفله مش عارف يخرجه من المستشفى، وكل نظرات أهل صافي بقت مليانة اتهام وسخرية، صافي نفسها بدأت تتغير، قالتله بحدة: "إنت وعدتني بحياة مختلفة… مش فضايح بالشكل ده!"، وهنا انهار شريف واتصل بأمه، صوته كان مكسور: "ماما… إلحقيني"، لكن الرد كان أقسى درس في حياته، بعد المكالمة، شريف قعد على الأرض في أوضة الانتظار، حاس إنه صغير جدًا، أصغر من أي وقت فات، وبدأ يفكر… مين اللي وصّله للي هو فيه؟ ومين اللي ضحى عشانه؟ ومين اللي رماه أول ما بقى عنده اسم وشهرة؟
فجأة قام، راح باع عربيته الفاخرة بأقل من تمنها، رهن شقته، باع ساعته الغالية، جمع مبلغ، لكن لسه ناقص كتير، ساعتها صافي لأول مرة اتكلمت بصوت واطي: "روح لأمك… واطلب السماح"، كبرياؤه اتكسر، وفعلاً راح للمزرعة، الطريق كان أطول من أي 12 ساعة ساقتهم أمه، لأنه كان مليان ندم، وصل، خبط على الباب، ولما فتحته وشافته واقف مكسور، ماقالش حاجة… بس وقع على ركبه وباس إيديها وهو بيعيط: "سامحيني يا أمي… أنا كنت أعمى"، الحاجة فوزية بصت له طويل، قلبها بيتشد بين وجع السنين وحنان الأم، سابته شوية في الأرض، وبعدين قالت: "اللي عملته فيا مايتنساش… بس أنا أم"، خدت نفس عميق وقالت: "هقوم معاك… بس مش عشانك… عشان الطفل اللي مالوش ذنب"، رجعت معاه المستشفى، وكل الإدارة وقفت أول ما دخلت، شريف لأول مرة يفهم الحقيقة كاملة لما شاف الكل بيحترمها بالشكل ده، دفعت الفاتورة كاملة قدام عينه، لكن قبل ما يمشوا، بصت له وقالت: "الفلوس سهلة… لكن اللي اتكسر بينا صعب يتصلح"، خرجوا، صافي كانت مصدومة لما عرفت الحقيقة، حاولت تتقرب من الحاجة فوزية، لكن الأخيرة حطت حدود واضحة: "الاحترام مش لبس ومظاهر…
الاحترام أفعال"، الأيام عدت، وشريف حاول يصلّح غلطه، بقى يزور أمه كل أسبوع، يقعد معاها في المزرعة، يساعدها بإيده، يتعلم منها من جديد معنى العيلة، أما الحاجة فوزية، عمرها ما رجعت زي الأول، سامحت… لكن ما نسيتش، وسيبت جرح بسيط يفكره كل يوم إن الكرامة مش لعبة، وإن الأم مش حد يتكسف منه… الأم هي الأصل، واللي ينسى أصله، الدنيا كفيلة تفكره… بس دايمًا التمن بيكون غالي.
مرت الشهور ببطء غريب، كأن الزمن نفسه بيحاول يدي لكل واحد فيهم فرصة يفهم اللي حصل، لكن الحقيقة إن الجرح اللي اتفتح يوم المستشفى ماكانش سهل يتقفل، حتى مع محاولات شريف المستمرة. كل أسبوع كان بيروح المزرعة، مش ببدلته الغالية ولا عربيته الفخمة، لكن بلبس بسيط، بإيدين فاضيين من أي مظاهر، ومليانين ندم. في الأول، الحاجة فوزية كانت بتستقبله ببرود، تسأله سؤالين تقال، وتسيبه يقعد لوحده يشرب شاي على المصطبة، لكن مع الوقت بدأت تراقبه… مش بكلامه، بأفعاله. كانت شايفاه وهو بيساعد العمال في الأرض، وهو بيشيل الشوالات، وهو بيقعد مع الفلاحين يضحك ويتعلم منهم، وكأنه بيحاول يرجع لنقطة البداية… للنقطة اللي خرج منها
ونسيها.