قسوة ابني كاملة

لمحة نيوز

في يوم من الأيام، وصل شريف بدري عن المعتاد، لقى أمه قاعدة تحت الشجرة الكبيرة، نفس الشجرة اللي كان بيلعب تحتها وهو صغير، قرب منها بهدوء وقال: "ممكن أقعد يا أمي؟" بصت له وسابتله مكان من غير كلام، قعد جنبها شوية ساكتين، وبعدين قال: "أنا فاكر لما كنتي بتصحيني الفجر عشان أذاكر… كنت بزعل منك، بس دلوقتي فهمت إنك كنتي بتبني مستقبلي… وأنا هدّيته بإيدي". الحاجة فوزية ما ردتش، بس دمعة صغيرة خانتها، مسحتها بسرعة وقالت: "اللي بيتبني صح… ممكن يقع، بس لو الأساس قوي… يقوم تاني". الكلمة دي كانت أول مرة فيها بصيص أمل.

على الناحية التانية، حياة شريف مع صافي كانت بتتغير بشكل كبير، بعد الأزمة، بقى فيه شرخ واضح بينهم. صافي، اللي كانت متعودة على حياة الرفاهية من غير حدود، بدأت تحس بالضغط لما شافت شريف بيبيع ممتلكاته وبيقلل مصاريفه، كانت بتحاول ترجع كل حاجة زي ما كانت، حفلات، خروجات، مظهر قدام الناس، لكن شريف اتغير… بقى يرفض، بقى يقول "لأ"، بقى شايف إن المظاهر دي هي اللي وصلته للي هو فيه. في مرة، صافي انفجرت فيه وقالت: "إنت بقيت واحد تاني! أنا اتجوزت مهندس ناجح مش فلاح بيروح الغيط!" ساعتها شريف بص لها بهدوء وقال: "الفلاح اللي بتتكلمي عنه هو اللي رباني،

وهو اللي عمل مني كل حاجة… وأنا فخور بده". الجملة دي كانت كأنها نهاية مرحلة كاملة بينهم.

الخلافات كترت، والمسافة بينهم زادت، لحد ما في يوم، صافي خدت قرار إنها ترجع بيت أهلها مؤقتًا "لحد ما الأمور تهدى"، لكن الحقيقة إن الأمور ما هديتش… بالعكس، كل واحد بدأ يشوف التاني على حقيقته. صافي بدأت تكتشف إن الناس اللي حواليها كانوا بيحترموها عشان المظاهر بس، وإن أول ما المشاكل ظهرت، الكل بعد، وشريف بدأ يحس براحة غريبة رغم الوحدة… راحة إنه بقى صادق مع نفسه لأول مرة.

وفي وسط كل ده، الطفل الصغير—حفيد الحاجة فوزية—كان بيكبر، وكان هو الخيط الوحيد اللي لسه رابط الكل ببعض. شريف قرر ياخد ابنه ويزور أمه في المزرعة بشكل منتظم، وفي كل زيارة، كانت الحاجة فوزية بتلين شوية، كانت تشيله، تلعب معاه، تحكي له حكايات، وتضحك ضحكة من قلبها كأنها بترجع للحياة. الطفل ده كان كأنه بلسم، بيهدي الجروح اللي محدش قدر يداويها.

في يوم مهم، الحاجة فوزية طلبت من شريف ييجي بدري، لما وصل، لقاها مجهزة ورق كتير على الترابيزة، وقالت له: "اقعد يا شريف… لازم نتكلم"، قلبه دق بسرعة، قعد قدامها، وهي بدأت تقول: "أنا كبرت… ومش هفضل طول عمري شايلة كل حاجة لوحدي"، سكتت لحظة وبعدين كملت:

"مجموعة فوزية محتاجة حد يكملها… بس مش أي حد… حد فاهم يعني إيه تعب، ويعني إيه أصل"، شريف حس إن الكلام تقيل، وقال: "أنا مش متأكد إني أستحق ده يا أمي"، ردت عليه بحزم هادي: "زمان ماكنتش تستحق… دلوقتي لسه بتتعلم".

مدت له ملف وقالت: "ده مش تسليم إدارة… ده اختبار"، الملف كان فيه مشروع لإنشاء مستشفى خيري كبير في الأرياف، نفس المكان اللي اتربى فيه، وقالت له: "عايزة أشوفك هتعمل إيه لما تخدم الناس اللي شبهك… مش لما تستعرض قدام الناس اللي أعلى منك". شريف مسك الملف بإيد مرتعشة، وحس إن دي فرصة… مش بس عشان يثبت نفسه لأمه، لكن عشان يصلّح جزء من اللي كسره جواه.

بدأ يشتغل على المشروع بكل طاقته، كان بيروح القرى، يقابل الناس، يسمع مشاكلهم، يشوف بعينه نقص الخدمات، ولأول مرة، شغله بقى له معنى أعمق من مجرد تصميم وديكور، بقى بيبني حاجة حقيقية، حاجة ممكن تنقذ حياة ناس. التعب كان كبير، لكنه كان حاسس براحة… راحة عمره ما حسها قبل كده.

بعد شهور من الشغل، جه اليوم اللي يعرض فيه المشروع على أمه، كان واقف قدامها وهو بيشرح التفاصيل، مش بعجرفة ولا استعراض، لكن بتواضع وثقة، خلص كلامه وسكت، مستني الحكم. الحاجة فوزية بصت له طويلاً، وبعدين قامت وقربت منه، وقالت: "أنا

فخورة بيك يا شريف… مش عشان المشروع… عشان الإنسان اللي بقيت عليه". الكلمة دي كانت أثمن من أي فلوس أو منصب.

لكنها كملت: "الطريق لسه طويل… والثقة بتتبني كل يوم"، وفعلاً، بدأت تدريجياً تدخله في شغل الشركة، خطوة خطوة، من غير ما تديله كل حاجة مرة واحدة، كانت عايزة يتعلم، يغلط، ويقوم.

أما صافي، فلما شافت التغيير الحقيقي في شريف، بدأت تعيد حساباتها، حاولت ترجع له، لكن المرة دي بشروط مختلفة، مفيش استعراض، مفيش تقليل من حد، خصوصًا الحاجة فوزية. رجوعها ماكانش سهل، لكن مع الوقت، ومع إصرار شريف على حدود واضحة، بدأت العلاقة بينهم تتشكل من جديد… بشكل أنضج، وأصدق.

وفي يوم هادي في المزرعة، كانت الحاجة فوزية قاعدة بتبص على حفيدها وهو بيلعب، وشريف واقف جنبها، قالت له: "فاكر اليوم اللي طردتني فيه؟" وشريف وطّى راسه وقال: "عمري ما هنساه"، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: "كويس… خلي الذكرى دي تعيش جواك… مش عشان تعذبك… عشان تفكرك دايمًا مين أنت".

الهواء كان هادي، والشمس بتغيب ورا الأرض الخضرا، والحياة كأنها بدأت تديهم فرصة تانية… مش مثالية، لكن حقيقية، فيها جرح… وفيها شفاء، وفيها أهم درس: إن الأصل عمره ما يتخبى، وإن اللي يضيع أهله عشان المظاهر، لازم يرجع لهم

عشان يلاقي نفسه من جديد.

تم نسخ الرابط