شر حماتي

لمحة نيوز

اللحظة اللي مدحت فيها مسك إيد أمه وصرخ كانت نقطة كسر عمرها ما حصلت قبل كده في البيت، صوت إيده وهو بيبعدها عن هناء كان أقوى من أي كلمة، ووشه كان لأول مرة مش ابن مطيع… كان راجل واقف يحمي بيته، لوزة اتجمدت مكانها، مش مصدقة إن ابنها اللي عمره ما رفع صوته عليها بيبصلها بالنظرة دي، وهنا ساد صمت تقيل كأن الحيطان نفسها بتسمع، هناء كانت قاعدة على السرير بتحاول تستوعب اللي حصل، دموعها نازلة بس المرة دي مش ضعف… دي صدمة ممزوجة براحة صغيرة إنها أخيرًا مش لوحدها، مدحت خد نفس عميق وقال بصوت حازم مفيهوش رجعة “كفاية يا أمي… اللي بيحصل ده مش هزار ولا جهل… ده أذى، وأنا مش هسمح بيه تاني” لوزة حاولت تلم الموقف وقالت بصوت مهزوز “أنا أمك يا مدحت… هتصدق مراتك عليّا؟” لكن المرة دي مدحت ما رجعش خطوة، بالعكس قرب أكتر وقال “أمي اللي ربتني عمرها ما تأذي حد بالشكل ده… وأنا شايف بعيني اللي بيحصل” الكلام نزل عليها زي السكينة، لأنها لأول مرة تحس إن صورتها قدامه بتتكسر، حاولت تقلبها دراما وقالت “ماشي يا ابني… خليك معاها… بس افتكر إني أنا اللي

وقفت جنبك طول عمرك” لكن مدحت رد بسرعة “وده اللي مخليني مش عايز أخسرك… بس مش على حساب مراتي وبنتي” بعدها لف لهناء، قعد جنبها ومسح دموعها بإيده وقال “أنا آسف… أنا كنت شايف وساكت… بس خلاص” هناء بصت له بعين مليانة تعب وقالت “أنا كنت مستنية اللحظة دي من أول يوم” الجو كان لسه مشحون، بس فيه حاجة اتغيرت، حاجة اتحسمت، مدحت قام وقف وقال لأمه بوضوح “يا أمي… هناء لسه تعبانة ومحتاجة راحة… ومن النهاردة مفيش أكل يدخل لها غير اللي أنا أو الدكتور نوافق عليه… ولو ده صعب عليكي… يبقى لازم ترتاحي عند خالتي شوية لحد ما الأمور تهدى” الجملة كانت صريحة أكتر من اللازم، ولوزة فهمت الرسالة، عينيها دمعت بس مش حزن… كان غضب مكبوت، جمعت حاجتها بسرعة وهي بتتمتم “أنا همشي… بس الأيام بينا” وخرجت وسابت وراها بيت مش زي ما كان، بعد خروجها، البيت سكت، لكن السكون المرة دي كان أهدى، مدحت جاب دكتور تاني يتابع حالة هناء، واتأكد إن ضغطها كان فعلاً في خطر بسبب الملح الزايد، وإن أي استهتار كان ممكن يسبب كارثة، الكلام ده زوّد إحساسه بالذنب، فقرر يغير كل
حاجة، بقى هو اللي بيطبخ لها، وهو اللي بيشرف على كل تفاصيل يومها، وحتى شغله بدأ يقلله عشان يقعد جنبها أكتر، ومع الأيام هناء بدأت تتعافى، وجسمها يرجع لطبيعته، والبنت الصغيرة “ليا” كانت بتكبر وسط جو أهدى، لكن القصة ما انتهتش هنا، لأن هناء في يوم وهي بترتب دولاب حماتها اللي سابته، لقت درج صغير مقفول بمفتاح، الفضول خلاها تدور لحد ما لقت المفتاح، ولما فتحته، قلبها وقع، جواه كانت في ورق غريب، أعشاب ناشفة، ورقة مكتوب فيها طلاسم وكلام مش مفهوم، وصورة لمدحت وهو صغير وعليها نقط حبر، وكأنها معمول لها حاجة، هناء حسّت برعب حقيقي، وافتكرت كل التصرفات الغريبة، وكل محاولات السيطرة، راحت بسرعة لمدحت وورته اللي لقيته، مدحت في الأول رفض يصدق، وقال “دي خرافات” لكن لما ركّز، بدأ يحس إن الموضوع أكبر من مجرد غيرة أو تحكم، هناء قالت له “أنا مش بقولك نصدق كل حاجة… بس اللي شوفته ده مش طبيعي… وإحنا لازم نحمي نفسنا وبنتنا” مدحت وافق، وقرروا يبعدوا أكتر، نقلوا لبيت جديد بعيد عن المنطقة كلها، وقطعوا أي احتكاك مباشر مع لوزة لفترة، لحد ما الأمور
تهدى، لوزة من ناحيتها حاولت ترجع، كلمت مدحت أكتر من مرة، بعتت ناس تكلمه، لكن مدحت كان ثابت، حاطط حدود واضحة، ومع الوقت، بدأت لوزة تفهم إن السيطرة اللي كانت عايشاها انتهت، وإن ابنها كبر وبقى له بيت لازم يحميه، بعد شهور، وفي يوم هادي، مدحت أخد هناء وليا وراحوا يزوروا لوزة، مش عشان يرجعوا كل حاجة زي الأول، لكن عشان يقفلوا الصفحة من غير كراهية، لوزة كانت أهدى، مكسورة شوية، لكن فيها رغبة إنها تصلح، هناء كانت حذرة، بس ما رفضتش السلام، لأن في النهاية دي جدة بنتها، ومع الوقت، العلاقة بقت محدودة ومحكومة، فيها احترام… بس من غير تدخل، وهنا كانت النهاية الحقيقية، مش نهاية مثالية، لكن نهاية واقعية، مدحت اتعلم إن السكوت على الغلط بيكبره، وهناء اتعلمت إن المواجهة مهما كانت صعبة… أهون من الألم الصامت، ولوزة فهمت إن الحب مش سيطرة، وإن الخوف على الابن مش معناه تدمير حياته، والبيت اللي كان مليان توتر… بقى فيه هدوء، مش كامل… لكن كفاية إنه يعيش فيه طفل من غير خوف، وكفاية إنه يكون بداية جديدة ما فيهاش ملح زيادة… ولا وجع زيادة.

تم نسخ الرابط