رغم الهدوء اللي بدأ يرجع تدريجيًا لبيت مدحت وهناء، كان واضح إن في حاجة لسه تحت السطح، حاجة مش متقالة لكن محسوسة، خصوصًا عند هناء، اللي من ساعة ما فتحت درج حماتها وشافت الحاجات الغريبة، وهي جواها قلق مش راضي يهدى، حتى بعد ما نقلوا لبيت جديد وبقوا بعيد عن لوزة، كانت أوقات تصحى من النوم مفزوعة، تبص على بنتها “ليا” وهي نايمة جنبها وتتأكد إنها بخير، وكأنها خايفة من خطر مش شايفاه، مدحت كان بيحاول يطمنها، يقولها إن كل اللي فات مجرد ضغط نفسي وتراكمات، وإنهم خلاص خرجوا من الدائرة دي، لكنها كانت حاسة إن الموضوع أكبر من كده، مش مجرد خلافات عائلية، وفي يوم وهي بتنضف شنطة قديمة كانت جاية معاهم من البيت القديم، لقت كيس صغير متداري في الجيب الداخلي، أول ما فتحته، قلبها وقع، نفس نوع الأعشاب اللي كانت في درج لوزة، ومعاها ورقة مطوية بعناية، لما فتحتها لقت اسمها واسم مدحت مكتوبين بطريقة غريبة، وكلمات مش مفهومة، اللحظة دي خلتها تتجمد مكانها، مش خوف من السحر بحد ذاته، لكن من فكرة إن في حد ممكن يوصل لكده عشان يسيطر أو يؤذي، جريت
على مدحت وورته اللي لقتُه، المرة دي مدحت ما قدرش ينكر، لأن الحاجة دي كانت معاهم في بيتهم الجديد، يعني الموضوع ما انتهيش بخروجهم من البيت القديم، ساعتها بدأ يفهم إن أمه ممكن تكون وصلت لمرحلة صعبة من التعلق والسيطرة، مرحلة خلتها تتصرف بشكل مؤذي من غير ما تحس، قرروا ساعتها إنهم يتعاملوا مع الموضوع بعقل، مش بخوف، مدحت كلم دكتور نفسي معروف، وشرح له كل اللي حصل، الدكتور قال له بوضوح إن في حالات بتبقى فيها الأم عندها “تعلق مرضي” بابنها، وبتشوف أي حد يقرب منه تهديد، وده ممكن يخليها تعمل تصرفات غير منطقية أو مؤذية حتى لو مقتنعة إنها “بتحميه”، النصيحة كانت إنهم يحطوا حدود صارمة، وفي نفس الوقت يحاولوا يعرضوا عليها مساعدة من غير ما يحسسوها إنها “مريضة”، الموضوع ماكنش سهل، لكن مدحت قرر يواجه، راح لأمه بعد فترة، المرة دي لوحده، دخل البيت وهو قلبه تقيل، لقاها قاعدة لوحدها، شكلها متغير، أهدى بس تعبانة، قعد قدامها وقال بهدوء “يا أمي… أنا مش جاي أعاتب… أنا جاي أفهم”، لوزة في الأول حاولت تنكر كل حاجة، لكن لما شاف إصراره، بدأت
تنهار، اعترفت إنها كانت خايفة تخسره، خايفة يبقى لمراته وبنته بس، وتحس إنها اتنسيت، اعترفت إنها كانت بتسمع كلام ستات حواليها بيقولوا إن الأعشاب والحاجات دي “تحافظ على الابن قريب”، وإنها صدقتهم، مش بقصد تأذي، لكن بدافع خوفها، الكلام ده صدم مدحت، لأنه كشف إن اللي ورا كل ده مش شر خالص… بل خوف متحول لطريقة غلط، قال لها “الخوف مش مبرر للأذى يا أمي… إنتي كنتي ممكن تخسريني فعلاً”، الكلمة أثرت فيها جدًا، وخلتها لأول مرة تشوف الأمور من زاوية تانية، بعد الجلسة دي، مدحت حاول يقنعها تروح معاه لدكتور، في الأول رفضت، لكن بعد إلحاح، وافقت، ودي كانت خطوة كبيرة، مع الوقت، بدأت تتحسن، مش بسرعة، لكن ببطء واضح، بدأت تبعد عن الأفكار القديمة، وتفهم إن الحب الحقيقي مش سيطرة، وفي نفس الوقت، هناء كانت بتحاول تدي فرصة، مش ترجع زي الأول، لكن على الأقل تقلل الخوف، بدأت تقبل زيارات محدودة، في وجود مدحت، وشيئًا فشيئًا، التوتر قل، في يوم مهم، لوزة جابت هدية صغيرة لحفيدتها “ليا”، لعبة بسيطة، وقالت لهناء بصوت واطي “أنا غلطت في حقك… ويمكن مش
هتعرفي تسامحيني بسهولة… بس أنا بحاول”، هناء بصت لها شوية، وقالت “أنا مش هنكر اللي حصل… بس عشان بنتي… مستعدة أبدأ صفحة جديدة… بشروط”، لوزة هزت راسها بالموافقة، وكانت دي بداية توازن جديد، مش مثالي، لكنه واقعي، مدحت بقى أكثر وعي، بقى يحمي بيته من غير ما يقطع أهله، وهناء بقت أقوى، عرفت إنها تقدر تواجه وتحط حدود، ولوزة بدأت تتعلم إنها تحب من غير ما تملك، الأيام عدت، والبيت بقى فيه نوع من السلام، السلام اللي بيتبني بعد معركة، مش السلام السهل، لكن الأهم، إن “ليا” كبرت في جو أهدى، شافت أهلها بيحلوا مشاكلهم بدل ما يهربوا منها، وشافت إن الغلط ممكن يتصلح، وإن أقسى القلوب ممكن تلين لما تواجه الحقيقة، وفي ليلة هادية، كانوا قاعدين سوا، مدحت وهناء ولوزة، والبنت بتلعب على الأرض، ضحكة صغيرة طلعت منها ملأت المكان، لوزة بصت لها وابتسمت، ومدحت مسك إيد هناء، وفي اللحظة دي، كانوا عارفين إن الطريق كان صعب… لكنه وصلهم لحاجة أهم: بيت قائم على الوعي، مش الخوف، وعلى الاحترام، مش السيطرة، وعلى حب نضيف… من غير “ملح زيادة” ولا نية مكسورة.