رسالة بالخطأ
أول ما بعتت منى الرسالة، فضلت ماسكة التليفون بإيدين بيرتعشوا وقلبها بيدق بسرعة مرعبة، كأنها مستنية حكم بالإعدام مش رد على رسالة. الدقايق عدّت تقيلة صوت المطر بيخبط في السقف الصفيح، وقطرات المية بتنزل على الأرض الطينية، وصرخات زين الضعيفة بتقطع قلبها حتة حتة. فجأة التليفون نور. رسالة.
أنتي مين؟ وساكنة فين بالظبط؟
منى اتفاجئت ده مش أسلوب عمتها سعاد خالص. سعاد كانت هتشتمها قبل حتى ما تقرأ باقي الكلام. اترددت لحظة، بس بصت لأخوها اللي صوته بقى أضعف، ولأمها اللي نفسها بقى تقيل، فكتبت بسرعة عنوان العشة بالتفصيل وهي بتبكي.
في نفس الوقت، عزيز الفهد كان نازل بعربيته الفخمة بسرعة جنونية، سايب وراه كل حاجة الاجتماع، الصفقة، المستثمرين كله بقى مالوش معنى قدام رسالة طفلة بتترجى عشان شوية لبن. وهو سايق، كان بيحاول يقنع نفسه إنه ممكن يكون مقلب نصب لكن جواه صوت بيقوله وإيه لو كانت حقيقة؟
وصل للمنطقة الشوارع ضلمة، مكسرة، مليانة طين ومية. عربيته وقفت عند مدخل حارة ضيقة جدًا. نزل منها، والبدلة الغالية بتاعته اتوسخت من أول خطوة، لكنه مكترثش. فضل يمشي ورا العنوان لحد ما وصل للعشة.
وقف قدام الباب الصاج وسمع صوت عياط طفل ضعيف.
قلبه انقبض.
خبط.
جوه، منى اتفزعت. مسحت دموعها بسرعة وفتحت الباب بحذر أول ما شافت الراجل الواقف قدامها، اتصدمت. شكله مش من هنا خالص. لبسه، هيبته حتى نظرة عينيه.
عزيز بص لها وبعدين بص لجوه.
وشاف.
طفل صغير شبه هيكل عظمي من الجوع، وأم مغمى عليها، وطفلة واقفة بتكافح عشان تبان قوية.
في اللحظة دي كل حاجة جواه اتكسرت.
من غير ما يقول كلمة، دخل العشة، شال زين بإيده بحنية غريبة عليه، وقال بصوت هادي لكنه حاسم إحنا هنلحقهم حالًا.
في أقل من عشر دقايق، كانت عربية الإسعاف جاية، ومنى راكبة جنب أمها وهي مش مصدقة اللي بيحصل.
منى كانت قاعدة في ركن، ضامة نفسها، مش فاهمة هل ده حلم ولا حقيقة.
بعد شوية، عزيز قعد قدامها لأول مرة وسألها بهدوء اسمك إيه؟
منى
متخافيش يا منى من النهارده، محدش فيكم هيجوع تاني.
الكلمة دي خلتها تنهار في العياط.
الأيام عدت أمها خفت تدريجيًا، وزين بدأ ياكل ويضحك تاني. لكن المفاجأة الأكبر كانت لما عزيز رجع لهم بعد أسبوع، مش بس كمنقذ لكن كحد قرر يغير حياتهم بالكامل.
نقلهم لشقة نظيفة وآمنة، دخل منى مدرسة كويسة، وجاب لزين رعاية طبية كاملة. وفي يوم، وهو قاعد معاهم، بص لمنى وقال أنا خسرت بنتي بس يمكن ربنا بعثك ليا عشان أرجع أعيش تاني.
منى فهمت ساعتها إن الغلطة الصغيرة في رقم التليفون كانت بداية معجزة.
لكن القصة مكملتش هنا
في يوم، عمتها سعاد عرفت باللي حصل. لما سمعت إن منى بقت عايشة في
وقفت قدام باب الشقة، نفس البنت اللي كانت بتطردها زمان، بقت دلوقتي مش محتاجة لها.
منى فتحت الباب سعاد ابتسمت ابتسامة مزيفة وحشتيني يا بنت أخويا أنا كنت قلقانة عليكي
منى بصتلها بهدوء غريب على سنها، وقالت إحنا كنا بنموت وانتي كنتي موجودة ومساعدتيش.
الكلمات نزلت على سعاد زي الصاعقة.
وفي اللحظة دي، ظهر عزيز من ورا منى، بنظرته الحادة اللي بيبيع أهله وقت ضعفهم ميستحقش يرجعلهم وقت قوتهم.
الباب اتقفل بهدوء.
وسعاد وقفت برا لأول مرة تحس إن الفلوس مش كل حاجة.
أما جوا منى كانت بتبتسم وهي سامعة ضحكة زين، وأمها بتدعي، وعزيز واقف بينهم كأنه رجع للحياة.
غلطة رقم واحد
بس كانت كفيلة تغيّر مصير عمر كامل.
عدّى وقت، والحياة بدأت تاخد شكل تاني خالص بس الحقيقة إن التغيير الكبير مش بييجي لوحده من غير اختبارات. منى بقت بتصحى الصبح تروح