امي عايزاني اكتب البيت ب إسمها

لمحة نيوز

أنا ياسين، عمري ما تخيلت إن البيت اللي اتربيت فيه، والناس اللي المفروض تبقى سندي، يتحولوا في لحظة لكابوس ممكن يقتل أغلى ما عندي. الحكاية بدأت من قبل ما ابني يتولد أصلاً، من يوم ما أمي "عفاف" بدأت تلمّح إن البيت لازم يتكتب باسمها "عشان تضمن حقها"، زي ما كانت بتقول. في الأول كنت بتهرب من الكلام، أضحك وأعدّي الموضوع، لكن مع الوقت بقى ضغط صريح، كل يوم نفس الجملة: "أنا تعبت وربيت، وده حقي." مريم كانت ساكتة، بس كنت شايف القلق في عينيها، خصوصًا لما أمي بدأت تتعامل معاها كأنها غريبة، مش مرات ابنها.

يوم ما اتكلمت معاها بصراحة وقلت لها إن البيت مش هيتكتب باسمها، الدنيا اتقلبت. سكتت لحظة، وبعدين ابتسمت ابتسامة غريبة، ابتسامة مفيهاش ذرة حنية، وقالت: "تمام يا ياسين... كل حاجة بوقتها." وقتها ما فهمتش الجملة، بس بعد كده عرفت معناها كويس أوي.

مريم ولدت، وكان أسعد يوم في حياتي. شيلت ابني بين إيديا وحسيت إني ملكت الدنيا. وعدتها إني هحميهم من أي حاجة، حتى من نفسي لو لزم الأمر. لكن الوعد ده اتكسر أسرع مما كنت أتخيل. بعد أربع أيام بس، اضطريت أسافر شغل، وكان لازم أسيبهم. كنت متردد، لكن أمي وأختي طمّنوني بشكل غريب، زيادة عن اللزوم، وده كان

أول جرس إنذار وأنا تجاهلته.

أول يومين كانوا عاديين في المكالمات، لكن مريم كانت بتظهر ثواني قليلة، صوتها ضعيف، وعينيها فيها حاجة غلط. سألتها أكتر من مرة، كانت ترد: "أنا كويسة"، لكن كنت حاسس إنها مش كويسة خالص. أمي كانت دايمًا تقطع الكلام وتبرر.

رجعت بدري من غير ما أقولهم. يمكن كان إحساس داخلي، يمكن خوف، بس اللي شفته لما دخلت البيت خلاني أتمنى إني أكون غلطان. البيت كان بارد بشكل غريب، كأن مفيش روح فيه. أمي وأختي نايمين مرتاحين، وأكل مرمي حواليهم، وكأن مفيش حد تالت في البيت أصلاً.

الصوت اللي سمعته من الأوضة عمره ما هيفارقني. دخلت وشفت مريم في حالة ما بين الحياة والموت، ووش ابني محمر وسخن بشكل يخوف. حسيت إن روحي بتتسحب مني. في اللحظة دي، ما فكرتش، شلتهم وجريت.

في المستشفى، الدكاترة اتحركوا بسرعة، دخلوا مريم الطوارئ، وخدوا ابني للحضانة. كنت واقف مش عارف أعمل إيه، إيدي بتترعش وقلبي بيدق بطريقة عمري ما حسيتها. بعد شوية، دكتورة خرجت تبصلي بنظرة كلها صدمة وقالت: "مراتك كانت ممكن تموت... والطفل كمان. دي مش حالة إهمال عادي، دي فيها حاجة أكبر."

قبل ما أرد، أمي دخلت بكل برود، وقالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة جوايا: "لو مراتك ماتت،

مفيش حاجة هتفصلك عن عيلتك الحقيقية تاني." ساعتها بس، كل حاجة بقت واضحة. مش إهمال، مش تقصير... دي كانت نية.

مريم فاقت بعد يومين. كانت ضعيفة، لكن أول ما شافتني، مسكت إيدي وكأنها خايفة أختفي. بصت لي وقالت بصوت مكسور: "هما كانوا عايزين يموتوني يا ياسين." حكتلي كل حاجة... إزاي كانوا يسيبوها بالساعات من غير أكل ولا مية، إزاي كانوا يسيبوا التكييف شغال عليها وعلى الطفل لحد ما جسمه يسقع، وإزاي أمي كانت بتدخل تقول لها: "امضي وخلي البيت باسمي، وأنا هرجعك إنسانة."

ابني كان بيموت من البرد والجفاف، وهي كانت بتموت من الإهمال والقهر.

ساعتها، حاجة جوايا اتكسرت للأبد. مفيش حاجة اسمها "أمي" تبرر اللي حصل. مفيش حاجة اسمها "أختي" تمسح الجريمة. اللي حصل كان محاولة قتل، بكل معنى الكلمة.

بلغت الشرطة، وقدمت كل التقارير الطبية، وكلام مريم كان كافي يفتح تحقيق. أمي وأختي حاولوا ينكروا، حاولوا يلعبوا دور الضحية، لكن الأدلة كانت أقوى. المستشفى وثّق الحالة، والجيران شهدوا إنهم كانوا بيسمعوا عياط الطفل بالساعات.

القضية أخدت وقت، وكان أصعب وقت في حياتي. واقف قدام أمي في المحكمة، شايفها مش ندمانة، بس زعلانة إنها اتكشفت. في اللحظة دي، فهمت إن في

ناس القرابة منهم بالدم بس، مش بالقلب.

الحكم صدر، وكان بداية النهاية لكل حاجة قديمة في حياتي. وأنا خارج من المحكمة، ماسك إيد مريم، وابني في ، حسيت إني بخسر عيلة... بس في الحقيقة، كنت بنقذ عيلتي الحقيقية.

رجعنا نبدأ من جديد، بعيد عن أي سمّ، بعيد عن أي وجع. مريم بقت أقوى، وأنا بقيت أوعى، وابني... هو السبب اللي خلاني أقف وأواجه.

وعرفت إن أسوأ خيانة مش بتيجي من غريب... بتيجي من أقرب ناس ليك، لما يحطوا مصلحتهم فوق حياتك.

بعد ما خرجنا من المحكمة، كنت فاكر إن أصعب حاجة عدّت… بس الحقيقة إن اللي بعد الحكم كان أصعب بكتير. الجروح اللي بتبان في التقارير الطبية بتخف، لكن اللي جوه القلب بيحتاج وقت أطول بكتير… ويمكن عمره ما يخف بالكامل.

رجعنا البيت… أو بمعنى أصح، رجعنا "مكان جديد" حاولنا نحوله لبيت. مكنتش قادر أرجع الشقة القديمة، كل ركن فيها كان بيصرخ باللي حصل. مريم كانت بتصحى من النوم مفزوعة، تضم ابننا لصدرها كأنها خايفة حد يخطفه منها في لحظة. حتى صوت باب بيتقفل كان كفيل يخليها ترتعش.

أنا كمان مكنتش أحسن حال. كل ما أقفل عيني، أشوف المشهد… مريم مرمية، وابني بيصارع علشان ياخد نفس. الإحساس بالذنب كان بياكل فيا… وعدتها إني أحميهم،

وأنا اللي سيبتهم وسط الوحوش بإيدي.

تم نسخ الرابط