فراشة العروسة
من اليوم اللي اتحدد فيه ميعاد كتب الكتاب، بيت أميرة اتحول لورشة شغل كبيرة، أمها كانت بتصحى من الفجر تلف على المحلات، تشوف أسعار الأجهزة والمفروشات، وتفاصل في كل جنيه عشان تجهز بنتها أحسن جهاز، وأبوها كان كل ما يقبض مرتب أو ييجي له شغل زيادة يحوش قرش فوق قرش وهو بيقول بنتي لازم تدخل بيت جوزها مرفوعة الرأس.
سنين طويلة وهم بيشيلوا من أكلهم ولبسهم عشان اليوم ده، حتى أخواتها الصغيرين كانوا فاهمين إن أي طلب زيادة منهم ممكن يأجل حاجة من جهاز أختهم، فكانوا ساكتين ومستحملين، وأميرة نفسها كانت كل ما تعجبها حاجة غالية تقول لأمها مش لازم يا ماما، أي حاجة حلوة. لكن أمها كانت تصمم وتقول لا يا بنتي، نفسي أشوفك أحسن عروسة.
ولما قرب الفرح، الشقة كانت بقت زي القصر، أوضة نوم مودرن بلون هادي، سفرة كبيرة، ركنة شيك، مطبخ مليان أجهزة جديدة لسه بالكرتونة، وطقم صيني وتحف ومفارش، وكل حاجة كانت متجهزة بحب قبل ما تكون بفلوس.
العريس مصطفى في الأول كان شكله محترم وهادي، وكل ما أميرة تتكلم معاه عن تعب أهلها يقولها والله مقدر كل حاجة، وأنا عمري ما هنسى تعبهم. وكانت تصدقه وتفرح وتقول في نفسها إنها أخيراً هتعيش مع راجل يقدّرها.
يوم الفَرْش جه، والبيت كان مليان زغاريد وفرحة، قرايب أميرة وبنات خالتها جُم يساعدوها، وكل واحدة جايبة هدية كبيرة، دي جايبة طقم كاسات، ودي جايبة خلاط، ودي جايبة ملايات شيك، وكانوا بيضحكوا ويهزروا ويحلموا معاها ببيتها الجديد.
أميرة كانت واقفة وسط كل ده ودموعها بتنزل من الفرحة وهي شايفة تعب سنين بيتحط قدامها حقيقة.
لكن أول ما حماتها الحاجة دولت طلعت الشقة، ومعاها بنتها
عينهم كانت بتلف في الشقة بطريقة ضايقت أميرة وأمها، كل شوية يبصوا على حاجة ويهمسوا لبعض، لحد ما دخلوا المطبخ.
الحاجة دولت وقفت قدام الأجهزة وقالت وهي ماسكة الخلاط
إيه الجمال ده؟ ده أحسن من اللي عندي.
وبعدين بصت للعجان وقالت بمنتهى البساطة
العجان ده هننزله عندي تحت، أصل نفسي أجيب واحد بقالي كتير.
أميرة افتكرت إنها بتهزر، فضحكت بخفة، لكن سمر قالت فوراً
وأنا هاخد طقم الحلل ده، عشان أنا متجوزة بقالي سنتين ولسه معنديش طقم محترم.
أم أميرة اتوترت وبصتلهم باستغراب، لكنها سكتت عشان تعدي الليلة.
لكن الموضوع ماوقفش هنا.
وقت فرش الدولاب، سمر فتحت الأدراج بنفسها، وبدأت تطلع البيجامات وتقول
واو! دي خامتها حلوة أوي خلاص التلاتة دول بتوعي.
وأميرة وقفت مصدومة، مش قادرة تنطق، حاسة إن كل حاجة بتتاخد قدام عينها وهي ساكتة.
أمها قربت منها وهمست
اسكتي دلوقتي يا بنتي عشان الجوازة.
لكن قلبها كان بيتقطع، لأنها شايفة تعب عمرها بيتنهب حتة حتة.
بعدها الحاجة دولت دخلت أوضة التخزين اللي فيها البطاطين والمفروشات، وقالت بمنتهى الوقاحة
إيه كل ده؟ ده كتير أوي عليهم. هاتوا بطانيتين وسجادة وكام فوطة وطقمين ملايات، ما إحنا أهل.
وبدأت فعلاً تختار اللي يعجبها وتحطه على جنب.
بنات خالات أميرة بقوا يبصوا لبعض في ذهول، والهمس بدأ يزيد
هو ده طبيعي؟
إزاي ياخدوا الجهاز بالشكل ده؟
لكن محدش حب يتدخل.
أم أميرة كانت ساكتة بالعافية، وشها أحمر من القهر، لكنها مستنية اللحظة المناسبة تتكلم مع جوزها بعيد عن الناس.
لحد ما جه وقت تركيب البوتاجاز.
العمال شالوا البوتاجاز الجديد وداخلين يركبوه في
لا لا البوتاجاز ده هينزل شقتي أنا.
الكل سكت وبصلها.
كملت وهي بكل برود
وأنا هطلع لها البوتاجاز القديم اللي عندي، ما هو شغال وزي الفل.
أم أميرة مقدرتش تسكت أكتر من كده وقالت بعصبية محترمة
إزاي يعني؟ ده إحنا جايبينه لبنتي مخصوص.
الحاجة دولت بصتلها باستعلاء وقالت الجملة اللي صدمت الكل
ما هي كده كده من أول أسبوع جواز هتنزل عندي تفطر وتتغدى وتتعشى، لازمة البوتاجاز إيه عندها؟ ما هتستخدمه عندي تحت.
الصمت نزل على المكان كله.
أميرة حسّت إن الأرض بتميد بيها، وبصت لمصطفى مستنية منه كلمة، أي كلمة، يدافع عنها أو حتى يعترض، لكنه كان واقف ساكت، مطاطي راسه، كأنه موافق.
أبو أميرة وقتها دخل الشقة بعد ما كان بيتابع العمال تحت، ولما عرف اللي حصل وشاف مراته دموعها في عينيها، سأل بعصبية
في إيه؟
الحاجة دولت ردت بمنتهى البجاحة
بنفهمهم نظام البيت عندنا.
أبو أميرة قال بحدة
نظام إيه اللي تاخدوا بيه جهاز بنتي؟
مصطفى حاول يتدخل ويهدي الدنيا وقال
يا جماعة دي أمي، ومش قصدها حاجة.
لكن أبو أميرة بصله وقال
وأنت راجل البيت ولا لأ؟ الجهاز ده لبنتي، محدش ياخد منه حاجة.
الحاجة دولت اتقمصت وقعدت تصوت
إحنا طلعنا ناس طماعين؟ ده إحنا أهل!
أم أميرة ردت لأول مرة بقوة
الأهل عمرهم ما ينهبوا بنت داخلة بيت جديد.
سمر زعلت ولمت الحاجات اللي كانت واخداها وهي بتبرطم، لكن الحاجة دولت فضلت مصممة على البوتاجاز وقالت إنها مش هتسيب ابنها يتدلع مراته ويبعد عنها.
وهنا حصلت المفاجأة.
أميرة، اللي طول عمرها هادية ومبتحبش المشاكل، وقفت فجأة وقالت بصوت كله رعشة لكنه قوي
لو ده
الكل اتصدم وبصلها.
كملت وهي بتبكي
أنا داخلة أبني بيت، مش داخلة خدامة عند حد، ولا داخلة أتشحت حقي. اللي مش قادر يحترمني من دلوقتي، عمره ما هيحترمني بعد الجواز.
مصطفى قرب منها وقال بتوتر
إنتي مكبرة الموضوع.
قالتله وهي باصة في عينه
الموضوع مش بوتاجاز الموضوع إنك ساكت.
الكلمة دي وجعته، لكنه فضل متردد، يبص لأمه مرة ويبص لأميرة مرة، كأنه مش قادر يختار.
أبو أميرة قال بمنتهى الحسم
بنتي مش هتتجوز راجل واقف يتفرج عليها وهي بتتهان.
الحاجة دولت بدأت تهدد وتقول إن الناس هتتكلم وإن الفرح قرب، لكن أميرة لأول مرة متخفش من كلام الناس، وقالت
الناس مش هيعيشوا مكاني.
في الليلة دي، رجع الجهاز كله بيت أميرة تاني، والفرح اتلغى.
أمها كانت منهارة وخايفة على بنتها من كلام الناس، لكن بعد أيام بدأت تلاحظ إن بنتها رغم حزنها مرتاحة نفسياً، مبتصحاش كل يوم مرعوبة من مستقبلها.
أما مصطفى ففضل يحاول يرجعها، مرة يعتذر، ومرة يقول إن أمه السبب، لكنه عمره ما قدر يقف قدامها فعلاً.
وأميرة فهمت إن الجواز مش فستان وفرح وشقة الجواز موقف وسند واحترام.
بعد شهور، اشتغلت أميرة مع واحدة صاحبتها في مشروع صغير أونلاين، وكانت ناجحة جداً، ومع الوقت بقت أقوى وأهدى، وكل اللي حواليها بقوا يحترموها لأنها خافت على كرامتها قبل أي حاجة.
وبعد سنة كاملة، اتقدم لها شاب اسمه آسر، كان مختلف تماماً، أول مرة دخل البيت قال لأبوها
أنا مش عايز من بنتكم غير إنها تدخل بيتي وهي مرتاحة، وجهازها ده ملكها، حتى لو جابت معلقة واحدة.
أم أميرة وقتها دمعت، وأبوها حس إن ربنا عوضهم.
ولما جه يوم الفَرْش الجديد، أميرة