فراشة العروسة
حاجة تقول
ما شاء الله، ربنا يبارك لها فيها.
ولما أميرة حاولت تديها هدية من الجهاز، رفضت وقالت
يا حبيبتي ده بيتك إنتي، أنا جاية أفرح بيكي مش آخد منك.
ساعتها بس أميرة حسّت إن ربنا نجاها من حياة كانت هتعيشها مكسورة، وإن أصعب قرار أخدته يوم وقفت قدام الكل وقالت لا كان هو القرار اللي أنقذ عمرها كله.
بعد جواز أميرة وآسر بشهور، حياتها بدأت تهدى لأول مرة من سنين، كانت كل يوم تصحى وهي حاسة بالأمان، مفيش حد بيفتش في حاجتها، ولا حد بيحسب عليها الأكل والشرب، ولا حد مستني منها تنزل تخدم بيت العيلة.
آسر كان مختلف في كل حاجة، حتى في أبسط التفاصيل، لو دخل المطبخ ولقاها بتغسل الأطباق يساعدها من غير ما تطلب، ولو تعبانه يطلب أكل جاهز ويقولها
البيت مش واقف على ست لوحدها.
الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة تخلي أميرة تفتكر حياتها القديمة وتحمد ربنا ألف مرة إنها متجوزتش مصطفى.
لكن رغم الراحة اللي عايشاها، جواها كان لسه فيه وجع قديم، كل ما تشوف أمها وهي بتعد الفلوس أو بتحاول توفّر في طلبات البيت، قلبها يوجعها على السنين اللي ضاعت في تجهيز جهاز كان هيروح لناس ماعندهمش رحمة.
وفي يوم وهي قاعدة مع أمها، سألتها فجأة
إنتي زعلانة إني فسخت زمان؟
أمها سكتت شوية وبعدين قالت
في الأول كنت خايفة عليكي من كلام الناس لكن دلوقتي؟ والله كل يوم بشكر ربنا إنك عملتي كده.
أميرة حضنت أمها جامد، لأنها لأول مرة تحس إن أمها نفسها اتعافت من الجرح.
في الناحية التانية، كانت أخبار مصطفى وأمه بتوصلهم من وقت للتاني.
بعد ما الجوازة اتفركشت، الحاجة دولت فضلت تلف في المنطقة تقول إن أميرة بنت قليلة الأصل وإن أهلها كبروا الموضوع، وإنها كانت بس بتعتبرها بنتها.
لكن الناس مش كلها كانت ساذجة، لأن بنات خالات أميرة حكوا اللي شافوه بعينيهم، وكلام الحاجة دولت بدأ ينكشف.
مصطفى بعدها اتجوز بنت اسمها نهى، بنت بسيطة وأهلها على قد حالهم، والحاجة دولت كانت فاكرة إنها أخيراً لقت واحدة تتطوع وتنفذ كلامها من غير اعتراض.
وفعلاً أول الجواز، نهى كانت ساكتة على كل حاجة، كل يوم تنزل تساعد حماتها، وتسيب شقتها بالساعات، والحاجة دولت تتحكم في لبسها وأكلها وخروجها.
لكن الطمع اللي مالهوش آخر عمره ما بيشبع.
بعد أقل من شهرين، الحاجة دولت بدأت تدخل شقة نهى براحتها، تاخد اللي يعجبها، مرة تقولها
هاتيلنا طقم الكوبيات الحلو ده للضيوف.
ومرة
إيه لازمة التكييف وإنتوا قاعدين لوحدكم؟ ابنك أولى بيه تحت.
ونهى كانت بتسكت خوفاً من خراب البيت.
لحد ما في يوم، نهى اكتشفت إن دهبها ناقص.
قلبها وقع، فضلت تدور في كل مكان، لحد ما نزلت تحت عند حماتها وشافت سمر لابسة واحد من غوايشها!
اتصدمت وسألتها
دي غويشتي!
سمر ردت ببرود
ماما قالت ما إنتوا أهل.
نهى طلعت تبكي لمصطفى، لكنه كالعادة قال نفس الجملة
معلش عديها عشان أمي.
ساعتها افتكرت أميرة كويس، وفهمت هي ليه سابت الجوازة.
المشاكل بدأت تكبر، ونهى بقت كل
نهى رفضت لأول مرة وقالت إنها مش قادرة.
الحاجة دولت وقتها صرخت فيها قدام الكل
أمال متجوزينك ليه؟
الكلمة كسرتها، لكنها صحّتها في نفس الوقت.
طلعت شقتها، ولمت هدومها، واتصلت بأبوها ييجي ياخدها.
مصطفى حاول يمنعها، لكنها قالتله جملة عمره ما نساها
إنت مش وحش إنت بس عمرك ما كنت راجل قدام أمك.
وللمرة التانية، الجوازة انتهت.
الحاجة دولت بعد الطلاق فضلت تصوت وتلوم البنات، مرة تقول بنات الزمن ده بايظين، ومرة تقول مبقاش فيه حد يستحمل.
لكن الحقيقة كانت واضحة لكل الناس المشكلة عمرها ما كانت في البنات.
في نفس الوقت، أميرة كانت حياتها بتتغير تماماً.
مشروعها الصغير كبر، وبقت تبيع منتجات أونلاين وتحقق مكسب حلو، وآسر كان دايماً يشجعها.
وفي يوم رجعت البيت لقته مجهز لها مفاجأة صغيرة، مكتب شيك في أوضة فاضية وقالها
ده مكان شغلك الجديد يا مدام البيزنس.
أميرة وقتها ضحكت من قلبها، الضحكة اللي كانت ناسيه طعمها من سنين.
بعدها بفترة، اكتشفت إنها حامل.
الخبر نزل على البيت كله زي العيد، أمها فضلت تبكي من الفرحة، وأبوها كان كل شوية يقول
يارب أشيل بنت بنتي قبل ما أموت.
الحمل كان متعب شوية، وآسر كان حرفياً شايلها على كفوف الراحة، حتى أمه كانت تيجي تساعدها وتطبخلها بنفسها.
وكل مرة أميرة تشوف
هتنزل تفطر وتتغدى وتتَعشى عندي.
وتحمد ربنا إنها ماعاشتش العمر ده.
وفي شهرها السابع، حصلت المفاجأة اللي محدش توقعها.
كانت قاعدة في البيت بالليل، وآسر في الشغل، وفجأة الباب خبط.
فتحت لقت مصطفى واقف قدامها.
وشه كان مرهق، شعره بدأ يشيب، وعينه مليانة ندم.
أميرة اتوترت وقالت ببرود
خير؟
قال بصوت مكسور
كنت عايز أقولك إني ظلمتك.
سكتت وماردتش.
كمل وهو باصص للأرض
أنا فاكر إن اللي عملته وقتها كان عادي كنت فاكر إن طاعة أمي أهم من أي حاجة لحد ما خسرت كل حاجة.
أميرة حسّت بمشاعر متلخبطة، مش شماتة، لكن حزن على شخص ضيع نفسه بإيده.
مصطفى قال
عارفة أصعب حاجة إيه؟ إنك كنتي بتحبيني بجد وأنا سبتك تتكسري.
قبل ما ترد، صوت آسر جه من وراها
في حاجة يا أميرة؟
مصطفى رفع عينه وشاف آسر واقف، شايل أكياس الفاكهة بابتسامة هادية، قرب من أميرة تلقائي وحط إيده على كتفها بحنية.
اللحظة دي كانت كفيلة تشرح كل الفرق بين الرجلين.
مصطفى فهم فوراً إن أميرة أخيراً لقت البيت اللي تستحقه.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
ربنا يسعدكم.
ومشى.
أميرة فضلت باصة لطيفه وهو نازل السلم، وجواها شعور غريب مش حب، ولا حنين، لكن راحة.
راحة إنها نجت.
بعد شهور، ولدت بنت جميلة شبهها، وآسر أصر يسميها كرامة.
الكل استغرب الاسم في الأول، لكنه قال وهو باصص لأميرة
عشان أمها علمتني إن الكرامة أهم من أي جوازة.
وأميرة وقتها حضنت بنتها الصغيرة،