ابويا ضربني في المطار
أنا اسمي فاليري، وعندي 29 سنة، ومن وأنا صغيرة كنت فاهمة إن الحب في بيتنا له شروط… وإن أختي دانيال هي دايمًا البطلة، وأنا مجرد حد موجود عشان يشيل الحمل ويسكت. أفتكر وأنا عندي 11 سنة، رجعت من المدرسة بشهادة تفوق، داخلة البيت فرحانة، لقيت أمي بتسقف لدانيال عشان رسمت رسمة عشوائية في الكشكول. حاولت أدي لأبويا الشهادة، حتى مبصلهاش… قال وهو بيقلب في التلفزيون: “كويس… شوفي أختك عايزة تاكل إيه.” ومن يومها فهمت دوري كويس. أنا اللي أطبخ، أنا اللي أذاكر لأختي، أنا اللي أتنازل، وأنا اللي “مفروض تفهم الظروف”.
كبرت بسرعة غصب عني. اشتغلت وأنا في الجامعة، كنت أصحى خمسة الفجر أروح كافيه صغير، وبعد المحاضرات أشتغل أونلاين ترجمة وكتابة محتوى عشان أعرف أدفع إيجار السكن والكتب. في نفس الوقت، دانيال كانت عايشة حياتها كأنها بطلة فيلم أمريكاني… حفلات، تصوير، أصحاب، وطلبات مبتخلصش. ولو مرة اعترضت، أمي تبصلي بنفس النظرة القديمة: “أختك حساسة يا فاليري… مش زيك.”
أبويا كان طول عمره بيحب المنظر قدام الناس. يحب يبان الأب المكافح الكريم، لكن الحقيقة إنه كان كل ما يدخل في مشروع يخسر، ييجي عليا أنا. أول مرة استلف مني كان عندي 22 سنة. قالي يومها: “أنتِ بنتي وسندي.” فرحت… افتكرت أخيرًا شافني. ادته كل اللي محوشاه. بعدها بشهر اكتشفت إنه اشترى موبايل جديد لدانيال عشان “كانت زعلانة”. ومن وقتها بقى الموضوع عادة. كل أزمة… فاليري تدفع. كل فاتورة… فاليري تحلها. وكل مرة أسمع نفس الجملة: “إحنا تعبنا عليكي.”
ولما دانيال دخلت الجامعة الخاصة اللي كانت فوق إمكانياتنا كلنا، مين اللي دفع؟ أنا. كنت بشتغل ليل نهار، لدرجة إني مرة نمت على اللابتوب وصحيت لقيت وشي معلم من الكيبورد. ومع ذلك، يوم التخرج، أمي حضنت دانيال وهي بتعيط وقالت: “أخيرًا تعبنا ما راحش هدر.” وأنا واقفة وراهم شايلة الهدايا والأكياس… كأني السواق.
قبل رحلة باريس بشهر، كنت خلصت أكبر مشروع في حياتي مع شركة أجنبية. كنت منهارة جسديًا ونفسيًا، بس لأول مرة أحس إني عملت حاجة لنفسي. كنت عايزة أسافر أي مكان لوحدي، أنام، أمشي، أتنفس. لكن أمي اتصلت بيا ليلة كاملة من العياط: “دانيال نفسها تشوف باريس بعد التخرج… وأبوك ظروفه صعبة.” كنت
ولا مرة حد سألني: “إنتِ تعبانة؟”
يوم السفر كنت شبه ميتة من الإرهاق. داخلة المطار بكوباية قهوة باردة وعيني محمرة من قلة النوم. دانيال داخلة بفستان أبيض وكعب عالي، ماسكة الموبايل وبتصور كل حاجة للإنستجرام. أمي ماشية جنبها كأنها أم عروسة. وأنا؟ أنا كنت بجر الشنط.
عند الكاونتر، الموظفة ابتسمت وقالت: “آنسة فاليري، تم تأكيد ترقيتك لدرجة الأعمال.”
أنا حتى مبتسمتش… كنت بس مرتاحة إن الرحلة الطويلة هتبقى أهدى شوية.
لكن دانيال اتجمدت. لفتلي ببطء وقالت: “إيه؟ يعني أنا هقعد اقتصاد وهي لأ؟”
قلت بهدوء: “دي ترقيتي أنا.”
ضحكت بسخرية وقالت: “لا طبعًا… أنا محتاجة الكرسي أكتر. عايزة أوصل باريس مرتاحة.”
أمي دخلت فورًا: “فاليري متكبريش الموضوع.”
وأبويا قرب مني بنظرة أعرفها كويس… النظرة اللي قبل الانفجار. قال بصوت واطي: “ماتفضحناش.”
ولأول مرة في حياتي، قلت: “لأ.”
الكلمة دي نزلت عليهم كأني شتمتهم. دانيال بدأت تعلى صوتها: “أنتِ دايمًا غيورة مني! عمرك ما فرحتيلي!”
غيرة؟ أنا اللي دفعت تعليمها وحياتها وسفرها؟
قلت: “أنا تعبت… ودي تذكرتي.”
وفجأة لقيت القلم نازل على وشي قدام الناس كلها. صوت الضربة كان عالي لدرجة إن الكاونتر اللي جنبنا سكت. حسيت بطعم الدم في بقي. الموظفة شهقت. راجل كبير واقف بعيد قال: “يا جماعة اهدوا.”
لكن اللي وجعني مش القلم… اللي وجعني إن أمي بصتلي بقرف. بقرف حقيقي. وقالت: “أنتِ السبب.”
ودانيال؟ كانت بتبتسم.
في اللحظة دي حاجة جوايا ماتت. أو يمكن حاجة اتولدت. مش عارفة. لكني فجأة شفت عمري كله قدامي. كل مرة سكت. كل مرة دفعت. كل مرة انهرت لوحدي. وكل مرة صدقت إنهم يومًا ما هيحبوني لو عملت كفاية.
لفيت للموظفة وقلت بمنتهى الهدوء: “ألغي التذاكر التانية المرتبطة بالحجز.”
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
أمي قالت: “إنتِ بتهزري؟”
أبويا قرب مني بعصبية: “فاليري متلعبيش بالنار.”
قلت وأنا ببصلهم لأول مرة من غير خوف: “أنا مش بنك بتاعكم.”
دانيال
“أيوه.”
“والرحلات؟!”
“باسمي.”
“والفلوس؟!”
“فلوسي.”
الموظفة سألتني تاني لو متأكدة. قلتلها: “أكتر مرة أبقى متأكدة في حياتي.”
خلال دقايق، التذاكر اتلغت. الفندق اتكنسل. حتى الحجز اللي كانوا متباهيين بيه قدام قرايبنا راح. دانيال بدأت تعيط هستيري. أمي تمسك دراعها وتقول: “حرام عليكي!” وأبويا كان بيبصلي بنظرة عمره ما بصهالي… مش غضب… خوف. لأنه لأول مرة يحس إن السيطرة راحت.
مشيت ناحية البوابة وأنا سامعة صوتهم بينادوا عليا. لأول مرة مكملتش ورا الصوت.
في الطيارة، قعدت في الكرسي الواسع وبصيت من الشباك… وفجأة عيطت. مش عياط ضعف. كان عياط سنين. المضيفة سألتني لو محتاجة حاجة، قلتلها: “محتاجة أنام بس.”
وصلت باريس لوحدي. أول يوم نمت 14 ساعة كاملة. صحيت على هدوء غريب… مفيش حد بيزعق، مفيش حد بيطلب، مفيش حد بيحسسني إني مقصرة. بدأت أمشي في الشوارع لوحدي، أشرب قهوة، أبص للنهر، وأكتشف إني طول عمري كنت عايشة كخادمة في بيت بيسمي نفسه “عيلة”.
لكن الحرب الحقيقية بدأت لما رجعت.
أول ما فتحت موبايلي لقيت فوق الـ130 رسالة. شتايم من دانيال. عياط من أمي. تهديدات من أبويا. وقرايب بيقولوا إني “عاقة”. لكن وسط الرسائل، كان في رسالة من خالتي الكبيرة… الست الوحيدة اللي كانت بتعاملني كبني آدمة. قالتلي: “أخيرًا فوقتي يا بنتي.”
رجعت البيت اللي كنت مأجراه لأهلي باسمي… أيوه، حتى الشقة كانت باسمي. دخلت لقيت أبويا قاعد مستنيني. أول ما شافني قال: “إنتِ فضحتينا.”
ضحكت لأول مرة بصدق وقلت: “الفضيحة مش إني وقفتكم… الفضيحة إنكم كنتوا عايشين عليا وبتكرهوني في نفس الوقت.”
أمي بدأت تصوت وتقول إني اتغيرت. لكن الحقيقة؟ أنا لأول مرة بقيت نفسي.
طلعت عقد الشقة، وقلت بهدوء: “عندكم شهر.”
الصدمة اللي على وشهم كانت لا توصف.
أبويا قام وقف: “هتطردينا؟!”
قلت: “أنا مش بطردكم… أنا بس بطلت أنقذكم.”
الشهر ده كان جحيم. تهديدات. عياط. تمثيل مرض. دانيال باعتلي فويس تقول فيه: “يارب تموتي لوحدك.” سمعتها للآخر… وبعدها عملتلها بلوك.
ولما الشهر خلص، خرجوا فعلًا. آخر مرة شفت فيها أبويا، كان شايل شنطة قديمة وباصصلي بكره رهيب. يمكن لأنه لأول مرة يحس بالعجز اللي خلاني
بعدها بشهور، حياتي اتغيرت. بدأت علاج نفسي. اشتريت شقة صغيرة باسمي أنا وبس. لأول مرة أجيب ورد لنفسي من غير مناسبة. اتعلمت إن الراحة مش أنانية… وإن الحب اللي محتاج تدفع تمنه طول الوقت، مش حب.
وفي يوم، كنت قاعدة في كافيه، لقيت رسالة من رقم غريب. دانيال.
“ماما تعبانة… وعايزين مساعدتك.”
بصيت للرسالة طويل… زمان كنت هقوم أجري. لكن المرة دي، حطيت الموبايل على الترابيزة وكملت شرب القهوة وهي سخنة.
لأن فاليري القديمة ماتت في المطار… يوم القلم.
أما فاليري الجديدة؟ دي أخيرًا اتعلمت إن اللي يشوفك عبء، ميستحقش يشوفك تاني أصلًا.
بعد رسالة دانيال بأسبوع كامل، حاولت أقنع نفسي إني مش مهتمة. كنت بصحى أشتغل، أرجع بيتي، أطبخ لنفسي، وأعيش الهدوء اللي كنت محرومة منه طول عمري. لكن الحقيقة إن الرسالة فضلت معلقة جوايا زي شوكة. “ماما تعبانة”… الجملة دي كانت كفاية تهز أي حاجة لسه عايشة جوا بنت اتربت طول عمرها على الخوف من إنها تبقى “بنت عاقة”.
في الليلة الثامنة، كنت قاعدة في البلكونة والجو ساقعة شوية، لقيت الرقم الغريب بيتصل تاني. تجاهلت. رجع يتصل. تجاهلت. في التالتة رديت بعصبية: — “إيه؟”
لكن الصوت اللي رد مكانش دانيال.
كان صوت خالتي سامية.
صوتها كان مبحوح وهي بتقول: — “تعالي شوفي أمك يا فاليري… مهما كان دي أمك.”
قفلت عيني بقوة. نفس الجملة اللي طول عمري بتقتلني. “مهما كان.” مهما اتوجعت، مهما اتهنت، مهما اندبحت نفسيًا… برضه “مهما كان”.
سألتها ببرود: — “مالها؟”
قالت: — “ضغطها عالي جدًا، ومن ساعة اللي حصل وهي حالتها النفسية واقعة.”
ضحكت ضحكة صغيرة مرة: — “حالتي النفسية أنا كانت واقعة بقالها سنين يا خالتي.”
وسكتت.
لأن حتى خالتي… الوحيدة اللي كانت أحن شوية… عمرها ما وقفت فعلًا بيني وبينهم.
بعد المكالمة، فضلت ألف في الشقة زي التايهة. جزء جوايا كان عايز يروح. مش عشان أمي تستحق… لأ، عشان البنت الصغيرة اللي جوايا كانت لسه مستنية حضن عمره ما جه.
وفي الآخر… روحت.
البيت كان مختلف. أول ما طلعت السلم حسيت بريحة كآبة غريبة. الباب اتفتح ببطء، ودانيال كانت واقفة قدامي. أول مرة أشوفها من غير مكياج كامل ومن غير ثقة زيادة. وشها كان مجهد وشعرها مربوط بعشوائية.
لكن أول حاجة قالتها مكانتش “وحشتيني”.
قالت: — “اتأخرتي.”
بصيتلها ثواني طويلة… واستوعبت إن بعض الناس عمرهم ما بيتغيروا فعلًا.
دخلت.