ابويا ضربني في المطار
البيت اللي كنت بدفع إيجاره سنين بقى شبه خرابة. الكنبة القديمة متبهدلة، المطبخ فاضي تقريبًا، والتلفزيون الكبير اللي أبويا كان بيتمنظر بيه اختفى. واضح إنه اتباع.
أمي كانت نايمة على الكنبة، أول ما شافتني قامت بسرعة تبكي: — “بنتي!”
وجريت تحضني.
جسمي كله اتخشب.
حضنها كان غريب… كأن واحدة بتمثل دور الأم مش أكتر. فضلت تبكي وتقول: — “ليه عملتي فينا كده يا فاليري؟”
يا سلام.
حتى وهي مريضة، لسه أنا الجانية.
بصيت حوالي وسألت: — “فين أبويا؟”
الصمت نزل فجأة.
دانيال بصت بعيد.
وأمي مسحت دموعها بسرعة وقالت: — “ساب البيت.”
افتكرت إني مسمعتش صح. — “يعني إيه ساب البيت؟”
دانيال ردت بحدة: — “يعني مشي! بعد ما الدنيا وقفت بينا بسببك!”
ضحكت ضحكة قصيرة مصدومة: — “بسببي أنا؟”
واتفجرت.
سنين القهر طلعت مرة واحدة.
— “أنا السبب؟! أنا اللي شيلت البيت كله فوق دماغي وأنا عندي 22 سنة! أنا اللي دفعت ديونه! أنا اللي علمتك في جامعة خاصة وإنتِ كنتِ فاكرة الفلوس بتنزل
أمي بدأت تعيط أكتر: — “صوتك عالي عليا يا فاليري…”
لكن المرة دي ما خفتش.
— “أيوه عالي! لأول مرة صوتي يطلع أصلًا!”
دانيال قامت وقفت قدامي: — “إنتِ عمرك ما حبيتنا!”
لفيتلها ببطء وقلت: — “أنا ضيعت عمري كله بحاول أحب ناس مستحيل يشوفوني.”
وساعتها… حصلت أول حاجة عمري ما توقعتها.
دانيال انهارت.
انهارت فعلًا.
قعدت على الأرض فجأة وهي بتعيط بشكل هستيري: — “إحنا ضايعين!”
سكت.
أول مرة أشوف أختي من غير قناع الدلع والاستحقاق.
قالت وهي بتشهق: — “بابا سابنا بعد ما الديون كترت… وأصحابه بيطالبوه بفلوس… وكل الناس عرفت إن مفيش فلوس أصلًا… وماما كل يوم تعيط… وأنا مش عارفة أعمل إيه!”
كنت واقفة ساكتة، قلبي بيتشد ناحية البنت اللي قدامي رغم كل حاجة.
لكن وسط عياطها، قالت جملة قتلت أي تعاطف: — “إنتِ كان لازم تكملي تساعدينا.”
هناك فهمت الحقيقة أخيرًا.
هما مش ندمانين عشان جرحوني.
هما
بصيت لأمي وقلت: — “أنتِ تعبانة فعلًا؟”
وشها اتوتر.
خالتي اللي كانت قاعدة ساكتة من أول ما دخلت قالت بهدوء محرج: — “ضغط نفسي بس…”
ضحكت بمرارة.
يعني لا مستشفى، لا مرض خطير، لا حاجة.
كل ده عشان يرجعوني لنفس الدايرة.
قمت بهدوء ومسكت شنطتي.
أمي قامت مفزوعة: — “رايحة فين؟”
قلت: — “راجعة بيتي.”
دانيال جريت ورايا: — “هتسيبينا كده؟!”
بصيتلها للمرة الأخيرة يمكن بعين أوضح من أي وقت: — “أنا سبت نفسي زمان عشانكم… ومحدش فيكم حاول ينقذني.”
ونزلت.
لكن القصة مخلصتش هنا.
بعدها بأسبوعين، وأنا في الشغل، السكرتيرة دخلت بتوتر: — “في راجل مستني حضرتك تحت.”
نزلت… ولقيت أبويا.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
دقنه طالعة، هدومه مكرمشة، ونظرة الكبرياء اللي كانت مالية عينيه زمان اختفت.
فضل واقف ساكت شوية، وبعدين قال: — “وحشتيني.”
الجملة خبطتني جامد… لأن عمري كله استنيتها.
لكن الغريب إني محستش بحاجة.
سألته: — “عايز إيه؟”
وشه اتكسر
قال: — “غلطت.”
ولأول مرة في حياتي… أبويا اعتذر.
لكن الاعتذار جه متأخر أوي.
قعدنا في كافيه قريب، وفضل يحكي قد إيه حياته باظت بعد ما الفلوس خلصت. أصحابه اختفوا. الناس اللي كان بيصرف عليهم باعوه. وحتى دانيال بقت تتخانق معاه طول الوقت.
وفي نص الكلام، قال الجملة اللي فهمت منها كل حاجة: — “أنا كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما عملنا.”
هناك بالظبط… حسيت بحاجة بتقفل جوايا للأبد.
قلت بهدوء: — “وأنا كنت فاكرة إنكم يوم هتحبوني لو ضحيت كفاية.”
وسكتنا.
وبعدين سألني السؤال اللي كان مرعب بالنسباله: — “يعني خلاص؟ خلصنا؟”
بصيتله طويل.
افتكرت القلم. افتكرت الليالي اللي كنت ببكي فيها لوحدي. افتكرت إني كنت بدفع إيجار بيت كامل وأنا باكل نودلز عشان أوفر. افتكرت إني كنت بشتغل وأنا عندي حرارة عشان “العيلة محتاجة”.
وقلت: — “إحنا مكنّاش عيلة أصلًا يا بابا… كنا مشروع إعالة.”
الدموع لمعت في عينه لأول مرة.
لكن حتى دموعه… مقدرتش ترجعني.
قمت من مكاني، حطيت
ومشيت.
ولأول مرة في حياتي…
ماكنتش حاسة بالذنب.