قسوة عائلتي

لمحة نيوز

اسمي سعاد عبد الرحمن وعندي خمسة وستين سنة، لكن الحقيقة إني حاسة إني عشت ميت سنة من التعب والخدمة والسكوت. طول عمري كنت الست اللي بتصحى قبل الكل، وتنام بعد الكل، واللي عمرها ما قالت لا حتى وهي بتقع من التعب. اتجوزت حسن وأنا عندي عشرين سنة، كنت فاكرة إن الجواز مشاركة وسند وضهر، لكن بعد سنين اكتشفت إني كنت خدامة بشياكة لا أكتر ولا أقل. حسن كان دايمًا شايف إن دوري الطبيعي إني أطبخ وأنضف وأربي وأستحمل. ولو يوم تعبت، يبقى أنا المقصرة. ولو زعلت، يبقى أنا الحساسة. ولو سكت، يبقى ده واجبي. ربيت أحمد ومي على كتفي، سهرت عليهم وهما عيانين، اشتغلت بالخياطة زمان عشان أدخلهم مدارس كويسة، وبعت دهبي عشان أحمد يدخل كلية تجارة. يوم نجاحه حضن أبوه وقاله رفعت راسي يا ابني. وأنا؟ كنت واقفة في المطبخ بعمل صينية بسبوسة للضيوف.
كبروا العيال وكل واحد بقى ليه حياته، لكن أنا فضلت نفس الست اللي الكل فاكر إنها موجودة عشان تلبّي الطلبات. أحمد اتجوز نهى، ومن أول يوم دخلت البيت كانت بتعاملني كأني شغالة عندها. طنط سعاد، اعملي شوربة ليوسف، طنط سعاد، اغسلي هدوم الولد، طنط سعاد، خلي بالك من البيت عشان عندي خروجة. وكنت بسكت. أقول معلش الشباب صغيرين، والدنيا صعبة. لكن الحقيقة إنهم اتعودوا ياخدوا مني بدون ما يبصوا حتى في وشي.
وفي يوم من أيام الشتاء، وأنا باخد شاور، حسيت بكتلة صغيرة في صدري. في الأول خوفت أقول لحد. قلت أكيد التهاب وهيخف. لكن الوجع زاد. بقيت أصحى بالليل من الألم، وأفضل قاعدة على طرف السرير أضغط على صدري وأكتم صوتي عشان محدش يصحى. لما قلت لحسن إني عايزة أكشف، رد وهو

مركز في الماتش اعملي اللي إنتِ عايزاه بس ما تنسيش مي جاية تتغدى بكرة. ولا حتى بصلي.
رحت المستشفى الحكومي لوحدي. الزحمة كانت خانقة، والريحة مخلوطة بين مطهر وعرق وتعب سنين. ستات كتير قاعدين مستنيين دورهم، وكل واحدة شايلة خوفها في عنيها. لما دخلت للدكتور، كان هادي زيادة عن اللزوم، وده خوفني أكتر. طلب أشعة وتحاليل. وبعد أسبوع رجعت آخد النتيجة. إيده وهي بتسلمني الملف كانت تقيلة ونظرته كانت أهدى من اللازم. فتح الملف وقال بهدوء لازم نبدأ علاج بسرعة يا مدام سعاد. الكلمة وقعت على دماغي زي حجر. سرطان. سرطان في الثدي. حسيت المستشفى كلها بقت بعيدة، والأصوات مكتومة، والناس بتتحرك حواليّا كأنهم في حلم.
رجعت البيت يومها وأنا شايلة الملف وكيس خضار. دخلت الصالة بهدوء، والكل كان موجود. حسن بيتفرج على التلفزيون، أحمد ماسك اللاب، نهى بتتكلم في التليفون، والأحفاد بيجروا. حطيت الملف على الترابيزة واضح وصريح وقعدت مستنية. دقيقة اتنين ساعة يوم اتنين تلاتة. ولا حد سأل. لكن أول يوم ما عملتش فيه العشا، قامت القيامة. نهى اتصلت تصرخ عشان يوسف اتأخر في المدرسة. حسن زعق عشان العيال جعانة. أحمد بعتلي رسالة إنتِ زعلانة من إيه دلوقتي؟
رجعت البيت متأخرة يومها، ولقيت الأكل المالي السفرة، والأطباق مرمية، والضحك مالي البيت كأن وجودي وعدم وجودي واحد. لكن الصدمة الحقيقية كانت لما شفت نادية طالعة من أوضتي. نادية الست اللي حسن كان بيحبها قبل الجواز، واللي فضلت تظهر في حياتنا كل كام سنة بحجة صديقة قديمة. كانت لابسة روبي، وشعرها سايباه، وريحة برفانها مالية أوضتي. قلت لحسن وأنا حاسة
إني بموت في سريري؟ رد ببرود دي ضيفة. ولا واحد من العيال دافع عني. حتى مي قالت بضيق يا ماما كبّري دماغك بقى.
طلعت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت على الأرض أعيط لأول مرة من سنين. مش عشان المرض لا. عشان فهمت إن عمري كله راح مع ناس شايفين وجودي خدمة مجانية. فتحت الملف الطبي، وبصيت لاسمي المكتوب فوق كلمة خبيث. وفجأة حسيت إني مش خايفة. يمكن لأني خلاص وصلت لآخر طاقتي.
تاني يوم صحيت بدري جدًا. عملت شنطة صغيرة، وحطيت فيها هدومي وورقي وتحاليلي. خرجت من البيت من غير ما أصحي حد. سيبت ورقة واحدة على الترابيزة أنا تعبت. وبس. رحت عند أختي القديمة فاطمة في شبرا. فاطمة كانت أرملة عايشة لوحدها، وأول ما فتحت الباب وشافتني حضنتني وسألتني مالك يا سعاد؟ ساعتها بس انهرت. حكيت كل حاجة المرض، والإهمال، ونادية، والإهانة. فضلت تربّت على ضهري وتقول كفاية عليهم لحد كده.
أول يومين محدش اتصل. اليوم التالت أحمد بعت إنتِ فين؟ البيت مقلوب. ضحكت بمرارة. البيت مقلوب عشان أنا مش فيه؟ ولا عشان مفيش حد بيطبخ ويغسل؟ بعدها حسن اتصل وهو متعصب العيال متبهدلة. إنتِ مش صغيرة عشان تعملي حركات مراهقين. قلت بهدوء أنا عندي سرطان يا حسن. سكت. لأول مرة في حياته سكت. وبعد ثواني قال يعني إيه؟ قلت يعني الملف اللي كان على الترابيزة بقاله تلات أيام لو كنت بصيت فيه كنت عرفت.
قفل السكة.
بعدها بساعتين كان على باب فاطمة. وشه مصدوم، وشعره مبهدل، وعنيه فيها خوف أول مرة أشوفه. دخل وقعد قدامي وقال بصوت واطي ليه ما قولتيش؟ ضحكت. ضحكة موجوعة. قولت بس إنتوا كنتوا مشغولين بالعشا.
الكلمة كسرت حاجة جواه. بدأ يعيط.
حسن الراجل اللي عمره ما اعتذر كان بيعيط. قال إنه ماخدش باله، وإنه افتكرني قوية زي العادة. قلتله أنا تعبت من القوة.
الأيام اللي بعدها اتغير فيها كل شيء. أحمد بقى ييجي ياخدني جلسات العلاج. مي كانت تنام جنبي بعد الكيماوي وأنا برتعش من البرد. حتى نهى لأول مرة دخلت المطبخ بإيدها. لكني كنت متأخرة شوية في التصديق. الوجع اللي جوايا كان أكبر من كلمة آسف.
وفي يوم، وأنا راجعة من جلسة علاج، دخلت البيت ولقيت نادية قاعدة في الصالة. وقفت مكاني. حسن قام فورًا وقال أنا اللي طلبت منها تيجي تعتذر. بصيتله باستغراب. نادية قامت وقالت وهي مكسوفة أنا غلطت يا سعاد كنت فاكرة إنك قوية ومش فارق معاكي. قربت منها وبصيت في عينها وقلت القوي بيتوجع برضه.
ومع الوقت، البيت اتغير. مش فجأة لكن بالتدريج. حسن بقى يطبخ أوقات. أحمد بقى ياخد ابنه بنفسه. مي بقت تتصل كل يوم تسألني خدت دوايا ولا لأ. لأول مرة في حياتي، حسيت إنهم شايفيني أنا مش دوري.
العلاج كان قاسي. شعري وقع. جسمي ضعف. كنت ببص للمراية أوقات ومش بعرف نفسي. لكن الغريب إن روحي لأول مرة بدأت ترجع. بقيت أخرج أتمشى، أشتري لنفسي هدوم جديدة، أشرب قهوتي في البلكونة من غير ما أقوم أخدم حد. اتعلمت إن الست مش لازم تموت عشان الناس تحس بيها.
وبعد سنة كاملة دخلت المستشفى أعمل آخر فحص. الدكتور ابتسم وقال النتائج مطمنة جدًا. قعدت أعيط في العيادة زي الأطفال. مش بس عشان المرض خف لكن عشان سعاد القديمة ماتت، وست تانية اتولدت. ست أخيرًا فهمت إن قيمتها مش في الأكل اللي بتعمله، ولا الهدوم اللي بتغسلها، ولا الخدمة اللي بتقدمها. قيمتها في نفسها.

رجعت البيت يومها،
تم نسخ الرابط