قسوة عائلتي
ولقيت السفرة متجهزة. حسن واقف في المطبخ حارق الرز، والأحفاد بيضحكوا، ومي بتصور، وأحمد بيقول النهارده مفيش حد هيقوم ماما من مكانها. قعدت أبص عليهم وقلبي واجعني وفرحان في نفس الوقت.
ولأول مرة من سنين طويلة جدًا حسيت إني مش خدامة في البيت.
حسيت إني إنسانة.
بعد شهور من آخر جلسة علاج، البيت بقى أهدى بس الهدوء ده ماكانش راحة كاملة. كان شبه الهدوء اللي بييجي بعد عاصفة كسرت كل حاجة، والناس لسه بتلف تدور وسط الخراب تحاول تفهم إيه اللي اتغير. وأنا كنت أكتر واحدة اتغيرت.
بقيت أصحى الصبح من غير ما أجري على المطبخ. أقعد في البلكونة أشرب الشاي وأنا سايبة الصحون مكانها، وأسمع حسن بيتحرك متلخبط جوا المطبخ يدور على السكر أو الملاعق. زمان كنت أول ما أسمع صوت درج يتفتح أقوم جري. دلوقتي؟ بقيت أكمّل شربي بهدوء.
في الأول كانوا مستغربين. أحمد مرة قال مالك يا ماما؟ بقيتي سرحانة طول الوقت.
ابتسمت وقولت يمكن لأول مرة في حياتي بفكر في نفسي.
مافهمش الجملة. ولا حد فيهم كان فاهم قد إيه الست لما تفضل سنين شايلة بيت كامل فوق ضهرها بتنسى شكلها الحقيقي.
لكن أكتر حد اتغير كان حسن.
بقى يراقبني بعين خايفة. كل مرة أكح فيها يلف بسرعة. كل مرة أتأخر في النوم يفضل صاحي. وفي ليلة، صحيت لقيته قاعد على طرف السرير، باصصلي وأنا نايمة.
قلت بنعاس في إيه؟
قال بصوت مكسور خايف أصحى في يوم وما ألاقيكيش.
الجملة
بس الجرح القديم ماكانش سهل يخف.
كل ما أبص لأوضتي، أتذكر نادية خارجة منها. كل ما حسن يحاول يقرب، أفتكر سنين الإهمال. وفي مرة، وهو بيحاول يهزر معايا على السفرة، قلت فجأة إنت كنت ممكن تعيش عادي جدًا بعد موتي، صح؟
اتصدم. بتقولي إيه يا سعاد؟
ضحكت بوجع ما أنا لما كنت عيانة ماحدش حس.
سكت وبعدين لأول مرة اعترف بحاجة عمره ما قالها.
قال أنا اتعودت عليكي زيادة عن اللزوم لدرجة إني نسيت إنك بني آدمة.
الكلمة وجعتني لكنها كانت الحقيقة.
بعدها بأسبوع، حصلت حاجة محدش توقعها.
كنت قاعدة في الصالة براجع مواعيد العلاج، لما الباب خبط. فتحت مي وبعد ثواني سمعتها بتقول بدهشة حضرتك؟!
رفعت عيني ولقيت نادية واقفة برا.
لكن شكلها المرة دي كان مختلف. وشها مرهق. وشعرها باهت. وعنيها مليانة خوف.
دخلت بخطوات مترددة وقالت ممكن أكلمك شوية يا سعاد؟
البيت كله سكت. حتى حسن بان عليه التوتر.
قعدت قدامي، وفضلت تبص في الأرض شوية قبل ما تقول أنا عندي سرطان.
حسيت الدنيا وقفت ثانية.
كملت وهي بتعيط اكتشفته متأخر ومفيش حد جنبي.
ماعرفتش أرد. فضلت باصة لها وأنا حاسة بحاجة غريبة مش شماتة ولا تعاطف كامل حاجة بينهم.
قالت بصوت مرتعش فاكرة زمان لما كنت بغير منك؟ كنت شايفة إن حسن اختارك إنتِ لأنه حبك أكتر وكنت طول الوقت
حسن وطّى عينه. وأنا حسيت بتعب سنين كاملة بيعدي قدامي.
قالت بس لما شوفتك بعد المرض فهمت إنك كنتِ أقوى واحدة فينا كلنا.
وبعدين انهارت من العياط.
مي قربت تجيب لها مية. وأحمد وقف متوتر. أما أنا ففضلت ساكتة.
لحد ما لقيت نفسي بقول بهدوء العياط مش هيغيّر حاجة العلاج هو اللي هيغيّر.
رفعت عينيها ليّا بدهشة.
وقلت لو محتاجة دكتور كويس هقولك على دكتوري.
حسن بصلي باستغراب. يمكن لأنه كان متوقع إني أطردها. وأنا نفسي كنت متوقعة ده.
لكن المرض بيغيّر الإنسان. بيخلّيه يفهم إن العمر أقصر من الكراهية.
ومن اليوم ده، بقت نادية تيجي أوقات للعلاج. الغريب إننا بقينا نقعد سوا بالساعات في المستشفى. اتنين ستات أكلهم العمر بطرق مختلفة.
وفي مرة وهي قاعدة جنبي في جلسة كيماوي قالت إنتِ مسامحاني؟
بصيت قدامي وقلت أنا بحاول أسامح نفسي الأول على كل السنين اللي ضيعتها وأنا فاكرة إن قيمتي في خدمة الناس.
الجملة فضلت معلقة بينا.
لكن الحياة ما سابتناش نرتاح كتير.
بعد شهر تقريبًا، حسن وقع فجأة في الشارع. جلطة خفيفة. الدكتور قال إنها من الضغط والسكر والإجهاد.
دخل المستشفى، ولأول مرة شفته ضعيف بالشكل ده. راجل كان طول عمره صوته عالي، فجأة بقى بيطلب المساعدة بعنيه.
في أوضة المستشفى، مسك إيدي وقال أنا ظلمتك يا سعاد.
قلت بهدوء أيوه.
بكى. بكى زي طفل كبير.
قال كنت فاكر إن
سألته ولو بنتك اتعاملت كده؟
سكت وبعدين غمض عينه من الخجل.
بعد مرضه، حاجات كتير اتبدلت. بقى يقرب من الأحفاد أكتر. بقى يساعد في البيت حتى وهو تعبان. وأوقات كنت أصحى ألاقيه مغسل المواعين لوحده.
وفي يوم، دخل عليا المطبخ وأنا بقطع خضار وقال سيبيها عليا.
ضحكت هتبوظ الطبيخ.
قال مبتسم خليه يبوظ المهم إنتِ ترتاحي.
الجملة دي كانت كفاية تمحّي سنين من القسوة أو على الأقل تخففها.
لكن أكتر لحظة غيرتني فعلًا حصلت بعدها بشهور.
كنت ماشية أنا وحسن في شارع قريب من البيت، لما شفت ست كبيرة قاعدة على الرصيف بتبيع مناديل. كانت مرهقة وشكلها تعبان. الناس كلها بتعدي جنبها.
وقفت فجأة لأنها فكرتني بنفسي.
طلعت فلوس وادتهالها. لكن الست مسكت إيدي وقالت ربنا يخليلك صحتك يا بنتي.
ساعتها حسيت دموعي بتنزل.
لأن الصحة والكرامة والإحساس إنك مرئي دول أغلى من أي حاجة.
رجعت البيت الليلة دي، ودخلت أوضتي بهدوء. بصيت للمراية الطويلة اللي كنت بتجنبها بعد الكيماوي.
شعري بدأ يطلع تاني. وشي لسه فيه تعب. لكن عيني؟ عيني لأول مرة من سنين فيها حياة.
قعدت على السرير، وحسن دخل بعد شوية. بصلي وقال سرحانة في إيه؟
ابتسمت وأنا ببص لنفسي في المراية بفتكر الست اللي كانت عايشة هنا زمان ومش لاقياها.
قرب مني وسأل راحت فين؟
بصيتله وابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت ماتت يوم ما