ابني شاور علي الست الشحاتة بقلم منال علي
أنا اسمي جلال الهواري.. الناس في المنيا كانت تقول إن الأرض نفسها بتفتح طريقها لما عربية الهواري تعدّي. عندي مزارع قصب تمتد لحد العين ما تتعب، ورجالة يوقفوا صفين أول ما ألمحهم بعيني. عمري ما خفت من حد، ولا يوم حسّيت إن فيه حاجة ممكن تكسر ضهري غير فرح. الست الوحيدة اللي لما كانت تضحك، كنت أحس إني بني آدم عادي مش كبير عيلة ولا صاحب نفوذ. اتجوزنا عن حب، وخلفنا زين، وكان عنده وقتها خمس سنين لما الدنيا كلها انهارت فوق دماغي.
اليوم اللي قالوا فيه إن العربية اتقلبت بفرح، كان أسوأ يوم في حياتي. لقيت نفسي بجري على المستشفى وأنا حافي تقريباً، قلبي بيدق كأنه هيكسر ضلوعي. راضي كان أول واحد واقف هناك. وبكى قبلي، وقال لي شد حيلك يا جلال البقاء لله. ومن يومها وأنا شايله فوق راسي. صاحبي من وإحنا عيال، أكلنا من طبق واحد، ودخلنا تجارة الأراضي سوا، وكان يدخل بيتي من غير ما يخبط.
الجثة كانت متفحمة بشكل يخوف، والدكاترة قالوا الحادث كان نار وانفجار، وإن التعرف عليها صعب. بس كان فيه سلسلة فرح في رقبتها نفس السلسلة اللي جبتها لها من إيطاليا. انهرت وقتها، ودفنتها بإيدي. نزلت القبر وأنا شايلها، وكنت حاسس إن روحي بتتدفن معاها. زين فضل يصرخ ماما متسبنيش! والصوت ده فضل يطاردني 3 سنين كاملة.
بعدها بقيت إنسان تاني. الشغل بقى كل حياتي. البيت بقى قبر كبير، وكل ركن فيه ريحة فرح. زين كبر وهو ساكت، بقى طفل يخاف من الضلمة وينام وهو حاضن صورة أمه. وأنا كل ليلة أقعد قدام صورتها وأسأل نفسي ليه؟
لحد اليوم اللي الدنيا وقفت فيه.
كنت ماشي أنا وزين في وسط البلد.
زعقت فيه بعنف من الصدمة اخرس يا ولد! أمك ماتت!
بس الولد جري ناحيتها وهو بيعيط. الست كانت قاعدة على الأرض، هدومها ممزقة، شعرها أبيض من التراب، ووشها كله جروح. أول ما قربت منها ورفعت وشها رجلي خانتني.
هي.
مش شبهها هي.
نفس العينين العسلية اللي كانت تبصلي بيهم وأنا راجع تعبان. نفس الشامة الصغيرة جنب شفايفها. حتى الطريقة اللي بترتعش بيها لما تخاف هي.
الست حاولت تهرب أول ما شافتني، لكنها وقعت مغمى عليها. شلتها بإيديا وأنا حاسس إني شايل شبح. أخدتها أقرب فندق، وقلبت الدنيا دكاترة وأكل وهدوم. الدكتور لما كشف عليها قال الست دي متعذبة بقالها سنين وفي آثار ضرب قديم .
فضلت جنبها لحد ما فتحت عينيها بالليل. أول حاجة عملتها إنها بصت لزين. دموعها نزلت فوراً وقالت كبرت يا حبيبي
زين وهو بيصرخ ماما! وحشتيني!
أما أنا فكنت حاسس إن عقلي بيتكسر. مسكتها من دراعها وسألتها إنتِ مين؟!
بصتلي بخوف وهمست أنا فرح يا جلال.
رجعت لورا كأني اتضربت بالنار إزاي؟! أنا دفنتك بإيدي!
سكتت ثواني طويلة، وبعدين قالت اللي دفنته أختي التوأم حنان.
الدنيا اسودت قدامي.
فرح كانت يتيمة، وعمرها ما قالت إنها عندها أخت. سألتها وهي بتعيط ليه خبيتي عليا؟
قالت لأن أبويا زمان فرقنا وإحنا صغيرين بعد طلاقه من أمي وأنا ما شوفتهاش غير قبل الحادث بشهر.
وبدأت تحكي.
قبل موتها بأيام، كانت راجعة من القاهرة بالليل، وشافت راضي داخل مخزن قديم تبع الشركة مع ناس كبار من البلد. فضولها خلاها تدخل من الباب الخلفي. وهناك سمعت كلام قلب حياتها.
راضي وشوية رجال أعمال ونواب سابقين كانوا بيهربوا آثار وسلاح تحت شحنات القصب اللي خارجة من مزارع الهواري. كل حاجة كانت باسم جلال الهواري من غير ما يعرف. ولو الحكومة اكتشفت، جلال هو اللي هيتعدم مش هم.
فرح صورتهم بالموبايل وهي مرعوبة. لكن راضي كشفها.
خطفوها نفس الليلة. قعدوا يضربوا فيها بالساعات عشان تعرفهم الفيديو فين. لكنها كانت أذكى منهم، وبعتت الفيديو قبلها بدقايق لحد مجهول.
ولما راضي عرف إنها حامل بسرهم، قرر يقتلها.
لكن اللي حصل إن حنان التوأم كانت جاية تزورها لأول مرة. شافوها في البيت، واختلط عليهم الأمر. خطفوها بدل فرح. ولما العربية اتحرقت، الجثة اللي اتحطت كانت حنان.
أما فرح فاتحبست 3 سنين كاملة في مزرعة مهجورة وسط الجبل. كانوا بيعذبوها ويجوعوها عشان تقول الفيديو راح لمين.
أنا كنت بسمع وكل نقطة دم في جسمي بتغلي.
راضي أخويا عمل كل ده؟
خرجت من الفندق زي المجنون. ركبت عربيتي، والليل كان حالك، والطريق فاضي، وأنا بدوس بنزين كأني رايح للحرب. وصلت قصر راضي. الحراس حاولوا يوقفوني، لكن أول ما شافوا المسدس في إيدي بعدوا.
دخلت عليه مكتبه. كان قاعد يشرب ويسكي وبيضحك في التليفون. أول ما شافني، وشه اتقلب.
قلت له فرح رجعت يا راضي.
الكوباية وقعت من إيده.
حاول يمثل الصدمة إنت بتقول إيه؟!
ضربته بالمسدس في وشه لحد ما وقع. صرخت فيه فين الفيديو؟! وفين
راضي ضحك وهو بيبصلي والدم نازل من بقه أنت فاكر نفسك بريء يا جلال؟! كل الفلوس اللي كسبتها كانت من الشغل ده!
صرخت أنا ماكنتش أعرف!
رد وهو بيضحك وده اللي خلاك مفيد.
قبل ما أضربه تاني، سمعنا صوت رصاص. فجأة القصر كله اتقلب جحيم. رجالة مسلحة دخلت من كل ناحية. راضي بصلي بخوف حقيقي المرة دي وقال هما جم يخلصوا علينا!
طلع إن الرجال الكبار اللي شغالين معاه عرفوا إن فرح لسه عايشة، وقرروا يقفلوا الملف للأبد.
القصر اتحول لساحة حرب. رصاص، وصريخ، وزجاج بيتكسر. أنا وراضي اضطرينا نهرب من باب خلفي. لأول مرة في حياتي أشوفه مرعوب بالشكل ده.
ركبنا العربية، وهو بيصرخ لازم نوصل لفرح قبلهم!
لكننا اتأخرنا.
لما رجعت الفندق لقيته متكسر. الدم في كل حتة. وزين مستخبي تحت الترابيزة بيعيط.
أما فرح فكانت مختفية.
زين وهو بيرتعش وقال ناس وحشين خدوا ماما وقالوا إنك السبب.
اللحظة دي حسيت إن الوحش اللي جوايا صحى.
بدأت حرب حقيقية في المنيا. كل نفوذي وفلوسي ورجالتي نزلوا يدوروا. كل مخزن، كل مزرعة، كل فيلا. والبلد كلها بدأت تسمع همسات عن حرب الهواري.
بعد يومين، جالي ظرف من غير اسم. جواه فلاشة وصورة لفرح مربوطة على كرسي، وعينها متورمة من الضرب. ومعاها رسالة لو عايز مراتك تعالى لوحدك.
راضي قال إنها فخ. وأنا كنت عارف.
بس رحت.
المكان كان مصنع قديم في الجبل. دخلت لوحدي، والظلام حواليا. وفجأة النور اشتغل.
لقيت كل كبار البلد قاعدين قدامي. رجال أعمال، نائب سابق، مأمور مركز متقاعد كلهم.
واحد منهم قال مراتك شوفت حاجة مكانش ينفع تشوفها.
قلت هاتوهالي.
ضحك
في اللحظة دي، الباب اتكسر.
راضي