ابني شاور علي الست الشحاتة بقلم منال علي
دخل برجالته وهو بيضرب نار.
المكان انفجر فوضى. وأنا جريت ناحية فرح وفكيتها. كانت بتبكي وهي ماسكة وشي كنت عارفة إنك هتيجي.
الضرب استمر دقائق حسيتها سنين. وفي النهاية، الشرطة العسكرية وصلت.
الفيديو اللي فرح بعتته من 3 سنين كان وصل لضابط شريف احتفظ بيه لحد ما لقى دليل كامل. ومع ظهور فرح، القضية انفجرت.
كلهم اتمسكوا.
أما راضي فكان واقف وسط الخراب، مضروب ونازف. بصلي وقال أنا عمري ما كنت عايز أقتلك كنت بس عايز أبقى مكانك.
سألته قتلت حنان ليه؟
بكى لأول مرة غلطت ولما بدأت، مقدرتش أرجع.
بعد شهور، البلد كلها اتقلبت. ناس كبيرة دخلت السجن، وشركات اتقفلت، وأسماء كانت تهز مصر بقت في المحاكم.
وفرح رجعت البيت أخيراً.
لكنها ما رجعتش زي الأول.
كانت تقوم مفزوعة بالليل، تخاف من أي صوت، وتستخبى لما تسمع خبط الباب. وزين كان ينام كل يوم كأنه خايف تختفي تاني.
وفي يوم، أخدتني فرح عند قبر حنان. وقفت تبكي قدامه وقالت أنا السبب.
وقلت إنتِ الضحية.
لكن الحقيقة إننا كلنا كنا ضحايا للخيانة.
وفي آخر الليل، وأنا واقف في البلكونة، فرح خرجت وقفت جنبي. سألتني لو الزمن رجع كنت هتصدق إني عايشة؟
بصيت لها طويلاً، وقلت أنا دفنتك بإيدي لكن قلبي عمره ما صدق إنك موتي.
بعد ما القضية انفجرت، الناس في المنيا بقت تصحى وتنام على اسم الهواري. الجرائد كل يوم تنزل بعناوين مرعبة عن شبكة تهريب آثار وسلاح كانت شغالة سنين تحت ستار التجارة والزراعة. ناس كبيرة اتقبض عليها، وناس أكبر اختفت فجأة كأن الأرض بلعتهم. لكن وسط كل الدوشة
فرح رجعت البيت، آه لكن روحها ما رجعتش.
كانت تمشي في القصر كأنها غريبة. تبص للسلالم بخوف، وللشبابيك برعب، وحتى المرايات كانت بتتجنب تبص فيها. مرات كتير كنت أصحى بالليل ألاقيها قاعدة في الأرض جنب السرير، ضامة ركبتها وبتترعش. أول ما ألمسها تصرخ كأن حد بيحاول يخنقها.
وفي مرة صحيت على صوت زين بيعيط. جريت أوضته لقيته مستخبي تحت السرير، وفرح قاعدة في الركن بتصرخ ابعدوا عني! والنبي سيبوني!
لحد ما بدأت تستوعب إنها في البيت. بصتلي وقتها بنظرة كسرتني نظرة إنسان رجع من الجحيم ولسه النار ماسكة فيه.
قالتلي وهي بتنهج هما كانوا بييجوا كل ليلة يا جلال كل ليلة.
ومن بعدها بدأت أفهم إن اللي اتعمل فيها عمره ما هيتنسي بسهولة.
لكن المصيبة الحقيقية بدأت بعدها بأسبوع.
كنت قاعد في المكتب، والمحامي بيكلمني عن أملاك راضي اللي اتحجز عليها، لما السكرتير دخل وشه متغير وقال في ست مستنياك بره وبتقول إنها تبع المرحومة حنان.
اتجمدت مكاني.
خرجت لقيت ست كبيرة في السن، لابسة عباية سودا، وعينيها مليانين خوف. أول ما شافتني قالت أنا خالة حنان.
قلبي دق بعنف.
دخلتها المكتب، وإيدي كانت بتترعش. الست طلعت صورة قديمة من شنطة مهترية. الصورة كانت لفرح وهي صغيرة واقفة جنب بنت تانية طبق الأصل منها.
حنان.
الست قالت وهي بتمسح دموعها أمهم بعد الطلاق خدت فرح، وأبوهم خد حنان وسافر بيها الصعيد. ولما مات، البنت اتربت معايا.
سألتها ليه ماحدش عرف؟
ردت أبوهم كان مجنون حلف لو واحدة دورت
سكتت شوية، وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يبرد في عروقي بس حنان ما ماتتش.
قومت من مكاني بعنف إيه؟!
قالت الجثة اللي اتحرقت ماحدش عرفها أصلاً. والدفنة كانت سريعة. وأنا متأكدة إن البنت اللي شفتها في الفيديوهات مش حنان.
بصيتلها كأني اتجننت إنتِ بتقولي إيه؟!
قالت وهي بتطلع ظرف قبل أسبوع جالي جواب.
فتحت الظرف بسرعة. كان جواه ورقة مكتوب فيها بخط متعوب لو عايزين تعرفوا الحقيقة دوروا في مزرعة الجبل الأحمر.
الخط كان متلخبط لكن فرح أول ما شافته شحبت.
همست ده خط حنان.
في الليلة دي، خرجت أنا وفرح ومعانا اتنين من رجالتنا ناحية الجبل الأحمر. المكان كان مهجور، ومليان مخازن قديمة تبع راضي. الهوا كان تقيل، وكلب بعيد بيعوي كأن المكان ملعون.
دخلنا مخزن متكسر، وفرح كانت ماسكة دراعي بقوة. فجأة سمعنا صوت خبط خفيف.
رجالتي رفعوا السلاح، وأنا قربت ناحية الصوت.
كان جاي من تحت الأرض.
لقينا باب حديد مستخبي تحت سجاد قديم. فتحناه بالعافية، ونزلنا سلم طويل لريحة عفن تخنق.
وفي آخر السلم
لقينا أوضة صغيرة فيها سرير حديد.
وعليه ست مربوطة بسلاسل.
فرح شهقت ووقعت على ركبتها حنان!
الست رفعت وشها ببطء. كانت أضعف من فرح حتى، شعرها أبيض، وعينيها غائرة، لكن ملامحها نفس الملامح.
حنان كانت عايشة.
قعدت أقطع السلاسل بإيدي وأنا حاسس إني في كابوس. أول ما اتحررت، ، فرح وفضلوا يعيطوا الاتنين بشكل يوجع القلب.
لكن قبل ما نطلع، حنان مسكت إيدي وقالت لسه ماخلصش يا جلال.
سألتها إيه اللي باقي؟
بصت حوالين
الكلمة دي نزلت عليا زي الرصاصة.
طلعنا بسرعة، وأخدنا حنان للقصر. الدكتور قال إنها متحبسة من سنين، وإنها اتعرضت لتعذيب وحشي. لكنها كانت مصرة تحكي.
قالت إن راضي كان مجرد واجهة. الراس الكبيرة الحقيقية كانت شخصية محدش يتخيلها سالم الهواري.
عمي.
أخو أبويا.
الراجل اللي رباني بعد موت أبويا، واللي كنت أبوس إيده كل عيد.
حنان قالت إن سالم كان بيستخدم اسم العيلة من سنين في تهريب آثار وسلاح، وإن راضي كان مجرد منفذ. ولما فرح شافت الصفقة بالغلط، سالم أمر بإخفائها. لكن بعد تبديلها مع حنان، الأمور خرجت عن السيطرة.
أنا كنت سامع ومش قادر أتنفس.
كل حياتي كانت كذبة.
وفي نفس الليلة، حصل اللي محدش توقعه.
زين اختفى.
القصر كله اتقلب. الحراس أقسموا إنهم ماشافوش حاجة. لقينا بس ورقة على سريره مكتوب فيها كل جيل بيدفع تمن اللي قبله.
فرح انهارت تماماً. كانت بتصرخ بجنون هيرجعوهولي مقتول! زي ما عملوا فينا!
أما أنا فكنت داخل مرحلة تانية خالص.
مرحلة مابقاش فيها خوف.
طلعت خزنة أبويا القديمة لأول مرة من سنين. خزنة محدش يعرف عنها حاجة. جواها كان فيه سلاح، وملفات، وصور قديمة لسالم مع ناس من الحكومة والشرطة.
وأخيراً فهمت.
أبويا قبل ما يموت كان بيحاول يبعد العيلة عن سالم. لكنه مات فجأة في حادث غامض.
ماكنش حادث.
كان قتل.
قعدت طول الليل أبص لصورة أبويا، وأحس النار بتاكلني من جوه. وفجأة دخلت فرح الأوضة. كانت عينيها حمرا من العياط، لكنها بصتلي بثبات وقالت لو دخلت الحرب دي يا جلال مش
رديت وأنا بقفل الخزنة أنا أصلاً ما رجعتش من يوم ما دفنتك.