علمت جوزي درس عمري ما ينساه

لمحة نيوز

في صباح اليوم اللي بعد القلم الرابع، كانت الشمس داخلة من شبابيك قصر الزمالك بهدوء غريب… الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة.
"إيلينا" كانت واقفة في المطبخ بنفسها، لابسة فستان أبيض بسيط، وشعرها مربوط، والزُرقة اللي تحت عينها مستخبية بطبقة مكياج خفيفة… لكن اللي جواها كان أبرد من التلج وأقسى من الحديد.

الخدم كلهم كانوا متوترين. محدش فاهم ليه الست اللي كانت طول عمرها ساكتة، فجأة بقت هادية بالشكل المرعب ده.

الحاجة "صفية" نزلت الأول، بصت للسفرة المليانة أكل وقالت بسخرية: — "الله! أخيراً اتعلمتي إن الست ملهاش غير بيتها وجوزها."

إيلينا ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: — "أكيد يا طنط… النهاردة يوم مميز."

بعدها بثواني، نزل "أدهم" وهو بيعدل أزرار القميص بتاعه، وشاف السفرة الملكي: فول بالسمنة البلدي، طواجن، جبنة قديمة، فطير، عصير فريش، وحتى القهوة اللي بيحبها بالماركة الإيطالي مخصوص.

ضحك بتكبر وقال: — "واضح إن القلم جاب نتيجة."

إيلينا بصت له بهدوء: — "طبعاً… بعض الناس مبتفهمش غير بالطريقة دي."

أدهم قعد على رأس السفرة، والحاجة صفية جنبه، وبدأوا ياكلوا كأن مفيش حاجة حصلت… كأن الإهانة والضرب بقى شيء عادي في البيت.

لكن فجأة…

جرس الباب رن.

أدهم اتنرفز: — "مين الزفت جاي بدري كدة؟"

إيلينا ردت وهي بتصب القهوة: — "ضيوف العزومة."

الباب اتفتح…

وأول شخص دخل كان "المستشار ياسين الجندي"… أشهر محامي شركات في مصر، والراجل اللي أدهم نفسه كان بيترعب لما يسمع اسمه في أي قضية.

ورا المستشار دخل اتنين لابسين بدلة سودا، وبعدهم ست كبيرة أنيقة شعرها أبيض وعينيها حادة… أول ما أدهم شافها، الكوباية وقعت من إيده.

— "مدام… ناهد الهلالي؟!"

الحاجة صفية اتلجلجت: — "دي… دي صاحبة مجموعة الهلالي؟!"

الست بصت لإيلينا

بحنان وقامت حضنتها قدامهم وقالت: — "حبيبتي… آسفة إني اتأخرت عليكي."

أدهم قام وقف وهو مش فاهم: — "هو… هو في إيه؟!"

إيلينا سحبت الكرسي بهدوء وقعدت، وبعدها قالت الجملة اللي جمدت الدم في عروقه: — "أعرفك يا أدهم… دي خالتي ناهد الهلالي، المالكة الرسمية لمجموعة الهلالي القابضة… وأنا الوريثة الوحيدة لكل أملاكها."

الصمت نزل على المكان كأنه مقبرة.

الحاجة صفية ضحكت بتوتر: — "إيه الهزار ده؟!"

المستشار طلع ملف تقيل وحطه قدام أدهم: — "مش هزار يا مدام صفية… ده عقد نقل إدارة الشركة المؤقت اللي كان باسم الأستاذ أدهم… وتم إلغاؤه النهاردة الساعة 8 صباحاً."

أدهم فتح الملف بإيد بترتعش… وشه اصفر.

— "إيه ده؟!"

المستشار كمل: — "الأستاذة إيلينا هي المالكة الفعلية لـ72% من أسهم الشركة… والقصر ده مسجل باسمها من قبل الجواز بسنتين."

الحاجة صفية شهقت: — "مستحيل!"

إيلينا بصتلهم أخيراً بنفس النظرة اللي كانوا دايماً بيشوفوها ضعف… لكنها المرة دي كانت قوة مرعبة.

— "أصل أنا حبيت أتأكد… هل هتحبوني لشخصي؟ ولا للفلوس؟"

أدهم قرب منها بعصبية: — "إنتي نصبتي عليا؟!"

إيلينا ضحكت لأول مرة من قلبها: — "أنا نصبت عليك؟! أنا اللي كنت بصحى أعملك الفطار بإيدي وإنت بتخوني وتمد إيدك عليا؟"

وبهدوء شديد… مدت إيدها تحت طبق الفول اللي قدامه.

طلعت فلاشة سوداء صغيرة.

حطتها قدامه وقالت: — "عارف إيه دي؟"

أدهم بلع ريقه.

— "دي تسجيلات 6 شهور… صوت وصورة."

الحاجة صفية اتوترت: — "تسجيلات إيه؟"

إيلينا ضغطت زر صغير في الريموت…

وفجأة، الشاشة الكبيرة اللي في الصالون اشتغلت.

وصوت أدهم ملّى المكان: — "إنتي مجرد خدامة عندي!"

وبعدها صوت قلم قوي… وصوت إيلينا وهي بتعيط.

الحاجة صفية اتجمدت لما سمعت صوتها هي كمان: — "اكسر عينها

يا أدهم… الست لازم تخاف."

أدهم جري على الشاشة: — "قفلي الهبل ده!"

لكن المستشار قال ببرود: — "أي محاولة اعتداء جديدة هتتسجل فوراً."

إيلينا قامت ببطء… ومشت ناحية الشباك الكبير.

— "تعرف يا أدهم؟ أنا استحملت أول قلم عشان قولت غضب… والتاني عشان قولت ضغط شغل… والتالت عشان قولت يمكن أنا السبب… لكن الرابع؟ الرابع فوقاني من النوم."

لفت ناحيته وعينيها كلها دموع متجمدة: — "أنا كنت بموت بالبطيء."

أدهم حاول يلين صوته: — "إيلينا… اسمعيني…"

لكن فجأة الباب اتفتح تاني.

ودخلت واحدة ست شابة جميلة لابسة نضارة سودا.

أدهم رجع خطوتين: — "نورا؟!"

إيلينا ابتسمت: — "آه… الآنسة نورا اللي كنت مسافر معاها الساحل كل شهر على أساس مؤتمر شغل."

نورا شالت النضارة وقالت بعصبية: — "أنا مكنتش أعرف إنه متجوز أصلاً!"

إيلينا رمت قدامها صور وفواتير وتحويلات بنكية.

— "وكان بيصرف عليكي من حساب الشركة… يعني من فلوسي."

أدهم حس إن الأرض بتتهز تحته.

الحاجة صفية بدأت تصرخ: — "إنتي هتفضحينا؟!"

إيلينا بصتلها أخيراً: — "لا يا طنط… إنتو اللي فضحتوا نفسكم."

وفجأة دخل ظابط شرطة ومعاه اتنين أمن.

— "الأستاذ أدهم؟ حضرتك مطلوب للتحقيق في قضايا اختلاس وعنف أسري."

الحاجة صفية جريت تمسك في الظابط: — "ابني محترم!"

لكن الظابط طلع أوراق: — "في بلاغات رسمية وتسجيلات وتحويلات مالية."

أدهم حاول يقرب من إيلينا: — "إنتي دمرتيني!"

إيلينا ردت بهدوء مرعب: — "لا… أنا بس شلت إيدي من تحتك."

وأثناء ما الأمن بياخده، كان بيصرخ: — "إيلينا! أنا بحبك!"

وقتها… كل اللي في البيت سكت.

إيلينا قربت منه آخر مرة، وقالت بصوت واطي: — "اللي يحب… عمره ما يمد إيده."

الباب اتقفل وراه.

والبيت كله دخل في صمت طويل.

الحاجة صفية كانت قاعدة منهارة،

لأول مرة البرود اختفى من وشها.

بصت لإيلينا وقالت: — "هتطردينا؟"

إيلينا ردت من غير ما تبصلها: — "المحامي هيبعتلكم عنوان الشقة اللي هتقعدوا فيها مؤقتاً… أسبوع واحد بس."

الحاجة صفية شهقت: — "بعد كل اللي عملناه ليكي؟!"

إيلينا ضحكت بمرارة: — "بالظبط… بعد كل اللي عملتوه."

عدّى شهر…

القصر بقى هادي لأول مرة.

إيلينا كانت قاعدة في مكتبها اللي كان دايماً مقفول… نفس المكتب اللي كانوا فاكرينه أوضة هواية.

لكن الحقيقة؟ كان مركز إدارة كامل.

شاشات… ملفات… عقود… وكاميرات مراقبة.

دخلت خالتها ناهد وقالت بفخر: — "مجلس الإدارة كله تحت أمرك."

إيلينا بصت من الشباك لنيل الزمالك وقالت: — "زمان كنت فاكرة إن القوة في الفلوس… طلع القوة إنك تعرف تمشي لما الكرامة تتكسر."

وفي نفس اللحظة، تليفونها رن.

رقم غريب.

ردت بهدوء.

وجاها صوت أدهم من السجن: — "إيلينا… سامحيني."

سكتت ثواني.

وبعدين قالت آخر جملة قفلِت بيها كل حاجة: — "أنا سامحت… بس عمري ما هرجع."

بعد المكالمة الأخيرة، "إيلينا" فضلت ماسكة الموبايل بإيد ثابتة… لكن قلبها كان بيدق بطريقة غريبة. مش خوف… ولا حب… كان إحساس أقرب لواحدة خرجت من حرب ولسه ودانها سامعة صوت الرصاص.

قفلت الخط بهدوء، وحطت الموبايل على المكتب الزجاجي، وبصت قدامها للنيل.
الليل كان ساكن… بس جواها كان فيه دوشة سنين كاملة.

خالتها "ناهد" دخلت المكتب وقالت: — "تحبي نرفع عليه قضية جديدة؟ التسجيلات اللي عندنا تكفي يضيع عمره كله."

إيلينا هزت راسها بالنفي: — "لا… كفاية. أنا مش عايزة أنتقم… أنا عايزة أعيش."

ناهد قربت منها بابتسامة حزينة: — "إنتي بقيتي شبه أمك."

أول ما سمعت كلمة "أمك"، وش إيلينا اتغير.

أمها…

الست الوحيدة اللي كانت بتقول لها طول عمرها: "الراجل اللي يكسرك مرة،

هيكسرك ألف."

لكن إيلينا زمان مفهمتش.

افتكرت يوم جوازها… لما أدهم كان واقف في بدلة شيك وبيمثل دور الراجل الحنين. كان بيعرف يختار كلامه كويس… يعرف يخلي أي بنت تحس إنها ملكة.

في أول سنة، مكانش بيضرب.

تم نسخ الرابط