في حفلة كتب كتاب اخويا
دخلت حفلة خطوبة أخويا وأنا حاسة إن المكان غريب عليّا رغم إن كل حجر فيه حافظ صوت خطواتي. القاعة كانت منورة بشكل مبالغ فيه، كريستالات النجف بتلمع فوق روس الناس، والمزيكا الكلاسيك شغالة بهدوء، والكل لابس أفخم ما عنده كأنهم داخلين عرض أزياء مش خطوبة. كنت ماشية بخطوات هادية، فستاني الكحلي البسيط ناعم من غير تطريز مبالغ فيه، شعري مرفوع بطريقة بسيطة، ومافيش عليّا غير ساعة فضة رفيعة وخاتم صغير ورثته عن أمي. دخلت وأنا عارفة إن معظم الموجودين هيحكموا عليّا من أول نظرة، وده فعلًا اللي حصل.
أول ما ظهرت عند باب القاعة، حسيت العيون بتلف عليّا بسرعة، نظرات تقييم سريعة، فيها شفقة أوقات وسخرية أوقات أكتر. ياسمين، عروسة أخويا، كانت واقفة وسط أصحابها بفستان أبيض مطرز بالفضة، وما إن شافتني لحد ما قربت مني بابتسامتها الباردة وهمست وهي بتبص لفستاني بصوا بنت الريف اللي ريحتها طين وصلت.
ضحكات خافتة خرجت من البنات اللي حواليها.
بصّيت لها بثبات، لكن جوايا كان فيه حاجة بتتكسر ببطء.
أخويا كريم قرب بسرعة وقال كنتي هتتأخري أكتر من كده؟
قلت بهدوء الطريق كان زحمة.
عينه نزلت على هدومي مرة تانية، وبعدها بص لياسمين وكأنه بيعتذر لها عن وجودي أصلًا. مدام فريدة، أم العروسة، رفعت حاجبها وقالت بصوت مسموع دي أختك؟ كنت فاكرة إنها السكرتيرة الجديدة.
الترابيزة
أبويا بصّ في الأرض وسكت.
كالعادة.
من يوم وفاة أمي وهو بقى أضعف من إنه يدافع عن أي حد.
قعدت مكاني بهدوء، وأنا براقب كل تفصيلة في القاعة اللي أنا بنفسي اخترت ستايرها ولون الرخام فيها ونوع الورود اللي متعلقة على الأعمدة. الفندق ده كان حلم بدأت أبنيه من تحت الصفر بعد سنين سفر وشغل وإهانة ووحدة. اشتغلِت في مطاعم، ونضفت أوض فنادق، واتعلمت الإدارة والمحاسبة والتسويق وأنا بنام ساعات قليلة جدًا. يوم ما عرفت إن فندق النيل الملكي هيعلن إفلاسه، اشتريته عن طريق شركة استثمارية محدش يعرف إنها بتاعتي. ومن ساعتها وأنا ببني اسمي في صمت.
لكن العيلة عمرها ما سألتني أنا بشتغل إيه فعلًا.
كانوا مرتاحين لفكرة إني بنت بسيطة على قد حالها.
لأن نجاحي كان هيجرح غرور ناس كتير.
ياسمين قعدت قدامي وقالت بابتسامة مصطنعة مش هتشربي حاجة؟ ولا العصاير هنا غالية عليكي؟
رديت بابتسامة صغيرة متقلقيش الحساب متدفع.
مافهمتش قصدي، فضحكت بثقة وهي تعدل طرحتها.
بعد نص ساعة تقريبًا، بدأ التوتر الحقيقي.
مدير الفندق أستاذ هارون ظهر عند مدخل القاعة، وكان باين عليه الارتباك. قرب من الترابيزة الرئيسية وقال بأدب مساء الخير يا فندم فيه مشكلة بسيطة في الدفع الخاص بالحجز.
مدام فريدة اتنفخت بثقة والمشكلة دي تخصنا في إيه؟ الحساب على الأستاذ سامح.
سامح، والد ياسمين،
هارون فتح التابلت وقال الدفعة الأخيرة الخاصة بالقاعة والخدمات الإضافية ماوصلتش، وكمان الكارت اترفض أكتر من مرة.
الضحك اختفى من على الوشوش.
ياسمين بصّت لأبوها بتوتر يعني إيه اترفض؟
سامح حاول يضحك أكيد البنك.
لكن هارون رد بهدوء البنك أكد عدم كفاية الرصيد.
القاعة سكتت تمامًا.
كريم بصّ لحماه بصدمة حضرتك قولتلي كل حاجة مدفوعة!
سامح بدأ يتوتر أنا كان عندي تحويل داخل بكرة.
مدام فريدة قالت بسرعة طب ما الفندق يستنى يومين.
هارون رد باحترام جامد سياسة الفندق بتمنع ده يا فندم.
الأنظار بدأت تتحرك بينهم بخوف وحرج.
وأنا كنت قاعدة بهدوء، بشرب العصير كأني بتفرج على فيلم.
فجأة ياسمين بصّت ناحيتي وقالت بسخرية محاولة تهرب من الإحراج خير؟ مبسوطة بالمصيبة يعني؟
ابتسمت بهدوء.
وقلت لا بس مستغربة إن ناس مهمة زيكم نسيت تدفع.
وشها احمر.
كريم قال بعصبية لينا، مش وقتك.
رفعت عيني عليه لأول مرة ببرود خلاه يسكت.
وقبل ما يتكلم، هارون لف ناحيتي وقال بكل احترام تحبي نتعامل إزاي يا فندم؟
الصمت اللي نزل على القاعة كان مرعب.
ياسمين رمشت بسرعة يا فندم؟
مدام فريدة ضحكت بتوتر إيه الهزار ده؟
هارون بصّ لهم باستغراب حضراتكم ماتعرفوش؟ الآنسة لينا هي المالكة الرئيسية لفندق النيل الملكي.
كأن القاعة كلها اتجمدت.
المزيكا
كريم بصّلي كأنه أول مرة يشوفني.
سامح اتلعثم مالكة إيه؟
هارون فتح التابلت ولفه ناحيتهم، عليه صور اجتماعات وتقارير وتوقيع باسمي.
وقال بثبات كل التجديدات اللي حضرتكم انبهرتوا بيها الليلة دي تمت بإشرافها الشخصي.
ياسمين سحبت إيدها من دراع كريم ببطء، وعينيها مليانة ذهول.
مدام فريدة وشها اصفر.
واحدة من صاحبات ياسمين همست دي صاحبة الفندق؟
التانية ردت إحنا كنا بنستهزأ بيها من شوية!
كريم قرب مني خطوة وقال بصوت واطي إنتِ ليه ماقولتيش؟
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة عمرك سألت؟
ماعرفش يرد.
سامح حاول يلم الموضوع بسرعة وقال وهو يضحك بتوتر يا بنتي ده سوء تفاهم، إحنا أهل.
قلت بهدوء أهل؟
بعدين بصّيت لياسمين مباشرة.
أهل مين اللي ريحتهم طين؟
وشها اتحول للون أحمر غامق.
كل الناس بقت تبص لها.
بدأت تتكلم بتلعثم أنا كنت بهزر.
قلت الناس الحقيقية بتبان وقت ما تحس إنها أعلى من غيرها.
مدام فريدة قامت بسرعة وقالت أكيد مش هتعملي مشكلة في خطوبة أخوكي.
رديت بهدوء ولا عمري كنت ناوية. أنا بس كنت مستنية أشوف النهاية.
هارون قرب وقال الحجز للأسف ممكن يتلغى خلال نص ساعة لو الحساب ما اتسدش.
سامح بدأ يعرق فعلًا.
كريم بصّلي برجاء واضح لينا لو تقدري تتصرفي.
سكت شوية.
وبعدين قلت طبعًا أقدر.
كلهم اتنفسوا براحة.
لكنّي كملت بس قبل أي حاجة
ياسمين شهقت إيه؟
قلت بثبات اعتذار حقيقي. ليا ولأبويا.
أبويا رفع