أعلنت إفلاسها

لمحة نيوز

الحاجة آمال دخلت المطبخ وهي ساندة على الحيطة كأن رجليها مبقوش شايلينها. مازن ولبنى اتفزعوا أول ما شافوها واقفة قدامهم، وشها أصفر وعيونها مليانة دموع، وفي إيد لبنى السلسلة الدهب ولسه بتفك قفلها المرتعش.
مازن جري عليها بسرعة
يا ماما! إنتي صاحية ليه؟ الدكتور قال لازم ترتاحي!
لكن آمال ماردتش كانت باصة للسلسلة وبس. بعدين مدت إيدها المرتعشة وخدتها من لبنى وحطتها في كفها وقبضت عليها جامد، وبعدها فجأة انفجرت في العياط عياط ست عمرها ما انهارت قدام حد.
لبنى قربت منها بخضة
مالك يا حاجة؟ والله هنتصرف
لكن آمال قاطعتها وهي بتقول بصوت متكسر
أنا كدابة.
سكتوا.
حتى صوت المروحة القديمة وقف كأنه مستني تكمل.
آمال بصتلهم بعين مليانة ذنب وقالت
أنا مش مفلسة ولا فقيرة ولا محتاجة دوا بالدين.
مازن رمش باستغراب
يعني إيه؟
آمال بلعت ريقها وقالت الجملة اللي قلبت الدنيا
أنا معايا فلوس معايا أكتر من خمسين مليون جنيه.
الوقت وقف.
لبنى سابت الكرسي وقامت واقفة فجأة.
مازن ضحك ضحكة صغيرة متوترة وهو فاكرها بتهزر من التعب.
يا ماما حرام عليكي، متخضيناش.
لكن آمال فتحت شنطتها القديمة اللي كانت دايمًا شايلة فيها علاجها وطلعت ملف بني كبير. فتحته بإيديها المرتعشة، وطلعت شهادات بنكية، وأوراق حسابات، وصور لفيلات، وعقود شركات.
مازن قرب وهو مش مصدق.
آمال قالت وهي دموعها بتنزل
أنا عملت كل ده عشان أختبركم.
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة.
وبدأت تحكي.
بعد موت جوزها الحاج رفعت، الراجل اللي كان من أكبر تجار الحديد، الثروة كلها اتقسمت باسمها مؤقتًا لحد ما توزعها على ولادها. الكبير شريف كان عنده شركات استيراد، والتاني هاني كان صاحب معارض عربيات وفنادق. الاتنين عايشين في قصور، لكن قلوبهم كانت

أفقر من أي غلبان.
في الأول كانوا بيتخانقوا مين ياخدها يعيش معاه عشان الناس تقول أولادها بارين بيها. لكن بعد سنة واحدة بس، بدأت آمال تحس إنها بقت حمل عليهم. مرات شريف كانت تتأفف من علاجها، ومرات هاني كانت تمنع العيال يسلموا عليها عشان ريحة الأدوية.
وفي يوم سمعت جملة عمرها ما نسيتها.
هاني كان بيقول لأخوه
هي لسه عايشة؟
الجملة دي قتلت حاجة جواها.
ومن يومها قررت تختفي من حياتهم. باعت لهم إنها خسرت جزء كبير من الفلوس في صفقة، وإن الباقي اتحجز عليه. تعمدت تلبس هدوم بسيطة، وتعيش في شقة قديمة كانت باسم سواق جوزها زمان، وراحت عند ابنها الصغير مازن الابن اللي طول عمرها شايفاه أضعفهم وأفشلهم.
كانت متأكدة إنه هيزهق منها بعد أسبوع.
لكن اللي شافته خلال 6 شهور كسر قلبها.
شافته بيصحى الفجر يشتغل تحميل بضاعة في المخزن قبل شغله الأساسي. شافته بيكدب عليها ويقول إنه اتعشى وهو أصلًا سايب أكله ليها. شافت لبنى وهي بترقع هدوم بنتها الصغيرة بإيدها عشان يوفروا تمن لبس جديد لدواء حماتها.
وشافت الأسوأ
في مرة بالليل قامت تشرب مية، وسمعت بنت مازن الصغيرة سجدة بتقول لأبوها
بابا هو إحنا فقراء أوي؟
فرد عليها وهو بيحضنها
إحنا أغنيا يا حبيبتي طول ما جدتك بخير.
في اللحظة دي آمال دخلت الحمام وقفلت على نفسها وفضلت تعيط ساعة كاملة.
رجعت للحاضر وهي بتبص لمازن
أنا ظلمتك يا ابني.
مازن كان لسه مصدوم.
قال بصوت مخنوق
يعني كل اللي إحنا عشناه ده كان اختبار؟
آمال هزت راسها وهي بتموت من الندم
سامحني.
لكن مازن بعد عنها خطوة.
أول مرة في حياته يبص لأمه بالقهر ده.
إنتي شوفتي بنتي وهي بتنام من غير عشا وشوفتيني وأنا ببيع موبايلي عشان دواكي وسكتي؟
الكلمة خبطتها أقوى من أي قلم.
لبنى دخلت بينهم
بسرعة وهي بتمسح دموعها
مازن بالله عليك.
لكنه كمل وهو بيعيط
أنا كنت راضي والله كنت راضي بس ليه توصلي نفسك لكدة؟ وليه توصلي بينا لكدة؟
آمال وقعت على الكرسي وهي منهارة
عشان كنت خايفة أموت وأنا معرفش مين بيحبني ليا ومين بيحب فلوسي.
سكت.
وبعدين حصل شيء محدش توقعه.
لبنى قربت من آمال وقعدت على الأرض عند رجليها وقالت بهدوء
لو الفلوس هتضيع منك تاني إحنا هنقف جنبك برضه.
آمال بصتلها بذهول.
لبنى ابتسمت وسط دموعها
إنتي أم جوزي ودي حاجة ماتتغيرش.
آمال حضنتها بقوة وفضلت تبوس راسها وهي بتعيط
أنا ماستاهلش قلبك يا بنتي.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية.
آمال فتحت الملف وطلعت ورقة أخيرة.
أنا نقلت كل حاجة باسم مازن.
مازن اتجمد.
إيه؟!
كل الشركات والأرصدة والعمارات.
مازن بعد الورق عنه كأنه نار
لا! إخواتي ليهم حق.
آمال ضحكت بمرارة
إخواتك؟
وساعتها طلعت تسجيلات من موبايلها.
تسجيل لشريف وهو بيقول للمحاسب
خليها تموت وإحنا نخلص.
وتسجيل لهاني وهو بيقول لمراته
العجوزة دي لو باعت دهبها هتعرف تعيش شهرين كمان.
مازن قعد على الكرسي وهو مذهول.
آمال قالت بوجع
أنا كنت أم بالنسبة لهم طول ما بديهم أول ما احتاجت لهم بقيت حمل.
وبعد أسبوع
آمال طلبت تجمع عائلي كبير في الفيلا القديمة.
شريف وهاني جم وهم فاكرين إنها هتعلن بيع آخر أملاكها وتقسم الباقي عليهم. دخلوا القاعة ببدل غالية وساعات بملايين، لكن وشوشهم اتقلبت أول ما شافوا مازن داخل من الباب ببدلة شيك جدًا ومعاه محامين.
شريف ضحك بسخرية
إيه يا مازن؟ اشتغلت سكرتير عند محامي؟
لكن المحامي فتح الملف وقال بهدوء
الحاجة آمال قررت إعلان نقل جميع ممتلكاتها لابنها الأستاذ مازن رفعت.
القاعة انفجرت.
هاني ضرب الترابيزة
مستحيل!
لكن المفاجأة
الأكبر كانت لما آمال قامت واقفة وقالت بصوت ثابت لأول مرة
الفلوس اللي ماعرفتش تربيكم مش هسيبها تبوظ آخر واحد قلبه نضيف.
شريف قرب منها بعصبية
إنتي اتجننتي؟!
لكن آمال ردت بقسوة
أنا فوقت.
وبعدين بصت للناس كلها وقالت
الفقير مش اللي معندوش فلوس الفقير هو اللي أمه تعجز عن تمن دواها وهو نايم على مرتبة حرير.
هاني حاول يهدد بالقضايا، لكن المحامي طلع تسجيلات ومستندات تثبت محاولاتهم للاستيلاء على أموالها وهي مريضة.
وفي شهور قليلة الدنيا اتقلبت.
شريف شركاته غرقت بعد ما الشركاء سحبوا ثقتهم فيه.
وهاني اتعرض لقضايا تهرب وضاعت منه أغلب أملاكه.
أما مازن
أول حاجة عملها إنه سدد ديون المنطقة كلها عند البقال والصيدلية. وبعدها اشترى البيت القديم اللي كانوا ساكنين فيه وهده وبنى مكانه عمارة محترمة لكل سكان الشارع بأسعار رمزية.
ولبنى؟
اشترى لها سلسلة دهب جديدة.
لكنها يومها ابتسمت وحطتها في العلبة وقالت
السلسلة القديمة أغلى.
ولما سألها ليه
ردت وهي باصة للحاجة آمال اللي قاعدة وسط أحفادها بتضحك لأول مرة من سنين
عشان دي كانت تمن رجوع أم لعيلتها.
بعد سنة كاملة من الليلة اللي اتقلبت فيها حياة العيلة، كان اسم مازن رفعت بقى معروف في كل المنطقة الشعبية اللي عاش فيها. الناس كانت بتشاور على العمارة الجديدة وتقول
دي عمارة ابن الحاجة آمال الراجل اللي عمره ما نسي أصله.
لكن رغم الفلوس، ورغم الشركات، ورغم العربيات والحراس والبدل الغالية اللي بقت حواليه، مازن فضل زي ما هو نفس الشاب اللي كان بيقف في طابور العيش الفجر عشان يوفر جنيهين.
الحاجة آمال كانت قاعدة كل يوم في البلكونة الواسعة في الفيلا الجديدة، تشرب شاي بالنعناع وتبص على الشارع بشرود. لأول مرة من سنين تحس بالأمان لكن
قلبها مكانش مرتاح.
في حاجة كانت بتاكلها من جوا.
الندم.
كل ما تفتكر نظرة مازن ليلة الحقيقة، قلبها يوجعها. صحيح سامحها، لكن
تم نسخ الرابط