أعلنت إفلاسها
جرح الاختبار عمره ما اختفى بالكامل.
وفي ليلة شتوية هادية، كانت قاعدة لوحدها لما سمعت صوت عربية فخمة وقفت قدام الفيلا.
الخادم دخل مرتبك
يا حاجة الأستاذ شريف بره.
آمال اتجمدت.
من ساعة الفضيحة الكبيرة، شريف ماشفتهوش. كل واحد من إخواته اختفى في مصيبته. هاني سافر بره بعد ما خسر نص ثروته، وشريف باع فيلته واتطلق بعد ما مراته سابته.
آمال قالت بتردد
خليه يدخل.
دخل شريف لكن مش شريف اللي كانت تعرفه.
وشه دبلان، شعره مليان أبيض، وبدلته الغالية اختفت، لابس جاكيت قديم كأنه كبر عشرين سنة مرة واحدة.
وقف قدامها ساكت.
آمال قلبها رعش.
ده برضه ابنها مهما عمل.
شريف حاول يتكلم لكن صوته خانُه
إزيك يا أمي؟
الكلمة كسرت قلبها.
زمان كان بيناديها يا مدام آمال وسط أصحابه عشان يبان إنه شيك ومتحضر. أول مرة من سنين يقول أمي.
آمال بصتله وسألته بهدوء
عايز إيه يا شريف؟
شريف نزل عينه للأرض وقال
أنا تعبت.
وسكت.
بعدها فجأة قعد على ركبته قدامها.
الحاجة آمال شهقت.
شريف انفجر في العياط زي طفل صغير
أنا خسرت كل حاجة مراتي سابتني ابني بقى
آمال حسّت بغصة.
شريف رفع عينه المليانة دموع وقال
كنت فاكر الفلوس بتخلي الواحد كبير بس طلعت بتكشف حجمه الحقيقي.
في اللحظة دي دخل مازن من باب الصالون.
وقف متجمد أول ما شاف أخوه راكع قدام أمهم.
الجو كله اتوتر.
شريف قام بسرعة ومسح دموعه بإحراج، لكن مازن كان باصصله بجمود.
ثواني طويلة عدت محدش اتكلم فيها.
لحد ما شريف قال بصوت مكسور
أنا غلطت يا مازن.
مازن رد ببرود
متأخر.
الكلمة كانت حادة لدرجة إن آمال حستها سكّينة.
لكن شريف هز راسه باستسلام
عارف.
وبعدين طلع ظرف قديم من جيبه وحطه على الترابيزة.
دي كل الأوراق اللي كنت مزورها زمان عشان أستولى على جزء من أملاك أمي.
آمال شهقت.
مازن قرب بسرعة وفتح الظرف ووشه اتقلب.
فعلاً عقود مزورة، وتحويلات، ومستندات كان ممكن تودي آمال في كارثة لو اتنفذت.
شريف قال وهو بيبكي
أنا جيت أسلم نفسي قبل ما أسلم الورق ده للنيابة.
آمال حطت إيدها على قلبها.
ماكنتش متخيلة إن ابنها يوصل للدرجة دي.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه
شريف بص لمازن وقال
بس قبل ما أمشي لازم تعرف إن هاني مش بعيد.
مازن عقد حواجبه
يعني إيه؟
شريف بلع ريقه
هاني عمره ما سامحك إنك خدت كل حاجة وهو بيرتب لحاجة سودا.
آمال اتوترت
تقصد إيه؟!
شريف قرب وقال بصوت واطي
هاني رجع مصر من أسبوع واتفق مع ناس عشان يضربوا مازن.
الفيلا كلها سكتت.
لبنى اللي كانت داخلة بالعصير وقع الصينية من إيدها.
آمال حسّت نفسها هتغمى عليها
يا نهار أسود!
لكن مازن وقف ثابت.
الغريب إنه ما اتفاجئش.
طلع موبايله بهدوء وفتح تسجيل صوتي.
وفجأة صوت هاني ملّى المكان
الفلوس دي حقي ولو مازن اختفى من الصورة هترجعلي.
شريف اتصدم
إنت كنت عارف؟!
مازن قفل التسجيل وقال بهدوء موجع
من يوم ما اتولدنا وأنا عارف إن الفلوس ممكن تحول الأخ لعدو.
آمال قربت منه بخوف
طيب هتعمل إيه يا ابني؟
مازن بص لأمه وابتسم لأول مرة ابتسامة حزينة
اللي إنتي ماعرفتيش تعمليه زمان أنا هعمله.
وفي اليوم التاني
الصحافة كلها كانت واقفة قدام أكبر قاعة مؤتمرات في القاهرة.
رجال أعمال، صحفيين، كاميرات الكل مستني مؤتمر مازن رفعت.
الناس كانت فاكرة إنه هيعلن مشروع جديد.
لكن مازن طلع على المسرح وقال جملة قلبت السوشيال ميديا كلها
أنا بتنازل عن 70 من ثروتي.
القاعة انفجرت.
الصحفيين اتجننوا.
مازن كمل بهدوء
الفلوس اللي خلت أخوات يتعادوا ماتستاهلش.
وأعلن تأسيس مؤسسة خيرية ضخمة باسم آمال لعلاج الغلابة وكفالة الأمهات الكبار اللي أولادهم سابوهم.
الحاجة آمال كانت بتتفرج على المؤتمر من البيت وبتعيط بحرقة.
لبنى حضنتها وقالت
ربنا عوضك يا حاجة.
آمال هزت راسها والدموع مغرقة وشها
لا ربنا نجاني.
لكن المفاجأة اللي محدش توقعها حصلت بعد المؤتمر بساعات.
مازن رجع البيت متأخر لكنه لاحظ إن باب الفيلا مفتوح.
قلبه وقع.
دخل بسرعة وهو بينادي
ماما!
مفيش رد.
لبنى!
سكون مرعب.
طلع يجري لفوق لحد ما وصل أوضة الحاجة آمال.
وهناك
وقف مكانه متجمد.
الحاجة آمال كانت قاعدة على السرير وفي حضنها هاني.
أيوه هاني نفسه.
وكان بيعيط زي الأطفال.
والحاجة آمال بتمسح على شعره الأبيض وهي بتقول بصوت متقطع
مهما عملت هتفضل ابني.
مازن وقف عند الباب ودموعه نزلت غصب عنه.
وفي اللحظة
إن قلب الأم الحاجة الوحيدة في الدنيا اللي حتى الخيانة نفسها ماتقدرش تقتله.