أنا أم لخمس بنات، خمس أرواح اتعلقت في رقبتي من أول ما فتحت عينيهم على الدنيا، خمس قلوب بتناديني ماما وكأنها بتديني وسام شرف كل يوم، سافرت مع جوزي شريف على عمان وإحنا معانا حلم صغير إننا نشتغل ونشقى ونحط القرش على القرش عشان نرجع بلدنا ومعانا بيت وستر وتعليم كويس لبناتنا، كنت بصحى من الفجر أفتح الصيدلية وأرجع أجري على البيت أطبخ وأذاكر وأحضن وأسمع حكايات المدرسة وأمسح دموع وأزرع ضحكة، وهو كان بيشتغل وبيحلم بالفلوس والاسم، في الأول كنا فريق واحد، لكن مع الوقت بدأت أحس إن في حاجة بتتسحب من بين إيدينا، كلمة منه تبقى تقيلة، نظرة فيها ضيق، تعليق عابر عن إن البيت كله بنات وإنه محتاج “الواد اللي يشيل اسمه”، كنت أضحك وأقول له اسمك في قلبهم وهما هيشيلوه فوق راسهم، لكنه ماكنش شايف غير فراغ في خانة “ذكر”، وكل ما واحدة من بناتي تنجح وتجيب امتياز كان يبتسم ابتسامة باهتة وكأن النجاح ده مش كفاية، لحد ما ظهرت نورهان في حياته، شابة تونسية أصغر مني بسنين، دخلت حياته من باب الشغل وبابتسامة مدروسة وكلام محسوب، عرفت منين تضغط على إحساسه بالنقص، لعبت على وتر الولد اللي بيحلم بيه، وأنا كنت ساذجة فاكرة إن تعب السنين والحب كفاية يحمي بيت، في يوم عرفت بالصدفة إنه اتجوزها في السر، الأرض ما اهتزتش تحت رجلي قد ما قلبي هو اللي انهز، واجهته، أنكر وبعدين اعترف وهو بيبرر إنه حقه وإنه عايز ولد، كلمة “عايز ولد” كانت بتتردد في وداني كأنها حكم إعدام
على خمس بنات زي الورد، نورهان بدأت تخطط، أقنعته يعمل فحوصات في عيادة صاحبتها بحجة التهابات وتأخر حمل، وهو مضى على أوراق ماقراهاش كويس، أوراق تلقيح صناعي وفصل أجنة عشان يضمنوا ولد، وأنا نزلت مصر مع بناتي في إجازة قصيرة فاكرة إننا هنرجع، لحد ما رن الموبايل وصوته كان فيه نبرة انتصار جارحة وهو بيقول يا إيمان نورهان حامل في ولد أنا أخيراً هبقى أبو سيف، ساعتها ما بكيتش عشان اتجوز، بكيت عشان حسيت إني رخصت، إن بناتي الخمسة بكل تفوقهم وحبهم ما يسووش في عينه حاجة قدام جنين لسه ما اتولدش، قلت له بهدوء غريب طلقني وخد سيفك ده وسيبلي بناتي وعاري، ويمكن لأول مرة يحس إني خرجت من تحت سيطرته، تم الطلاق في هدوء مؤلم، لا فضايح ولا صراخ، رجعت اشتغل في مصر وفتحت صيدلية صغيرة بالإيجار، كنت بشتغل ليل نهار، أرجع أذاكر لهم وأحضر لهم أكل وأحكي لهم إنهم ملكات وإن اللي شايفهم ناقصين هو الناقص، كبروا قدامي واحدة ورا التانية، سارة دخلت طب وبقت من الأوائل، مريم دخلت صيدلة، هدى أسنان، ليلى علاج طبيعي، ونور دخلت تحاليل، خمس طبيبات يملوا العين، وكل ما واحدة فيهم تنجح كنت بحس إني برد على كلمة “عايز ولد” من غير ما أنطق، شريف انشغل بسيف والولد التاني اللي جه بعده، وسمعنا عنه من بعيد إنه بيعيش حياته ومبسوط، ما حاولش يقرب ولا يسأل، كأنه ما خلفش غير ولدين بس، لحد ما في ليلة مطر تقيلة دخلت عربية إسعاف مستشفى الطوارئ اللي سارة شغالة فيها، حادثة مروعة على
طريق سريع، أب وولاده الاتنين، الولدين ماتوا في الحادثة والأب بين الحياة والموت، سارة كانت المناوبة، أول ما شافت وشه رغم الدم عرفت ملامحه، الزمن بيغير الشكل لكن ما بيمحيش الأصل، ده شريف، أبوها، الراجل اللي اختار سيف ورمى خمس بنات للزمن، ناداها بصوت متقطع سارة بنتي الحقي أخواتك، يمكن كان فاكرهم لسه صغيرين، يمكن في لحظة الخوف افتكر إن له خمس بنات كمان، سارة قلبها دق بعنف لكنها جمدت ملامحها وقالت للممرض الحالة رقم 511 فقد وعي ونزيف داخلي الساعة 2:32 صباحاً، عاملته كمريض، كرقم، لأن الأب اللي جواه مات من سنين، دخل العمليات والدكاترة حواليه، كانت تقدر تسيبه لغيرها لكنها ما هربتش، وقفت على راسه كطبيبة محترفة، يمكن عشان ضميرها، يمكن عشان أمها علمتها إن الشرف في الشغل قبل أي حاجة، العملية كانت صعبة، نزيف وكسور ومضاعفات، وهو بين الغيبوبة والصحو كان بينطق أسماء ولاده الولدين ويبكي، وما جابش سيرة الخمس بنات، لكن سارة اشتغلت بكل طاقتها، ساعات طويلة لحد ما استقر وضعه، خرج على العناية المركزة بين الحياة والموت، لما فاق بعد أيام سأل عنها، دخلت له بهدوء، بص لها بعينين غرقانين ندم وقال سارة سامحيني أنا ضيعتكم، ساعتها لأول مرة شافت فيه إنسان مكسور مش متكبر، لكنه كان متأخر أوي، قالت له بهدوء إحنا ما ضعناش يا بابا، إحنا كبرنا ونجحنا من غيرك، وخرجت، نورهان كانت اختفت بعد الحادثة، سمعت إنها باعت كل حاجة ورجعت بلدها بعد ما الولدين ماتوا
وما بقاش في “ضمان” لمكانها، شريف خرج من المستشفى على عكاز، فقد ولاده الاتنين في لحظة، وبقى وحيد، بدأ يحاول يقرب، ييجي الصيدلية يقف بعيد يتفرج، يحضر تخرج نور من بعيد، يبعت رسايل اعتذار، البنات كانوا مترددين، جرح الطفولة مش سهل يطيب، وأنا كنت واقفة في النص، قلبي أم ومرات سابقة وإنسانة اتوجعت، كنت أقدر أقفل الباب، لكن علمت بناتي إن التسامح قوة مش ضعف، قلنا له الباب مش هيتقفل بس مش هيرجع زي زمان، هتبني علاقتك بيهم من جديد خطوة خطوة، شريف بدأ يحضر اجتماعاتهم العائلية بصمت، يسمع أكتر ما يتكلم، يساعد من غير ما يفرض نفسه، ومع الوقت الجليد بدأ يدوب، مش رجع أب زي ما كان، لكن بقى أب بيتعلم من غلطه، وأنا فضلت فخورة إني اخترت بناتي على أي حاجة، وفهمت إن الولد مش اللي يشيل الاسم، اللي يشيل الاسم هو اللي يحفظ العشرة ويصون العهد، وبناتي الخمسة شالوا اسمه غصب عنه لما بقى لقبهم قدام الناس دكتورة بنت شريف، يمكن القدر لف ورجع له الدرس بطريقة قاسية، خسر الولدين اللي اختارهم على حساب خمس بنات، وبقيت أنا واقفة بعد سنين الشقى بصيت حواليا لقيت خمس ستات قويات ناجحات حواليا، وحسيت إن عدل ربنا بيتحقق حتى لو بعد حين، وإن كرامة الست مش في وجود راجل في حياتها، كرامتها في إنها ما تفرطش في نفسها ولا في ولادها، والحكاية اللي بدأت بوجع وانكسار انتهت بقوة ونجاح، ويمكن لسه فيها فصول جاية، بس المرة دي إحنا اللي بنكتبها بإيدينا مش حد تاني.