بعد ما خرج شريف من المستشفى كان شكله اتغير تمامًا، مش بس في شعره اللي شاب أكتر ولا في ضهره اللي بقى منحني شوية، لكن في عينيه، العند اللي كان ساكنهم سنين اختفى وحل مكانه خوف وندم ووجع فقدان مالوش دواء، بقى ييجي الصيدلية كل أسبوع تقريبًا بحجة يسأل على ضغطه أو السكر، وأنا كنت فاهمة إنه جاي يشوف البنات، يقف يستنى سارة تخلص شيفتها، أو يسأل على مريم لو عدت من قدامه، ماكانش حد فيهم بيرفض السلام، لكن السلام كان بارد، رسمي، مافهوش دفء الأبوة، وهو كان مستحمل، يمكن لأول مرة في حياته مستحمل نتيجة اختياراته، في يوم طلب يقعد معايا لوحدنا في كافيه قريب، بصلي وقال أنا كنت أعمى يا إيمان، كنت فاكر إن الرجولة في ولد يشيل الاسم، وماكنتش شايف إن اسمي كان متشال فعلًا على كتاف خمس بنات أشرف من أي ولد، سكت شوية وبعدين قال أنا فقدت سيف وأخوه في لحظة، يمكن ربنا حب يفوقني بالطريقة الصعبة، كلمته وجعتني بس ما شمتش، لأني عارفة إن وجع فقدان ابن مايتتمناش لعدو، قلت له اللي حصل حصل يا شريف، اللي بينك وبين بناتك مش هيتصلح بكلمتين، هما محتاجين
يشوفوا أفعال، مش اعتذارات، ومن ساعتها بدأ فعلًا يحاول، حضر مؤتمر طبي كانت سارة مشاركة فيه، قعد في آخر صف وصفق بحرارة وهي بتعرض بحثها، دموعه نزلت قدام الناس وهو بيسمعهم ينادوا اسمها دكتورة سارة شريف، حس يمكن لأول مرة إن الاسم اللي كان خايف عليه من الضياع محفوظ من غير ولد، مريم لما فتحت صيدليتها الخاصة كان هو أول واحد جاب باقة ورد وكتب عليها فخور بيكي يا بنتي، هدى في أول عملية كبيرة عملتها بعت لها رسالة طويلة بيحكي لها قد إيه ندم إنه ماكانش موجود في أول خطواتها، ليلى لما سافرت مؤتمر بره مصر كان هو اللي راح المطار يودعها، ونور لما تعبت شوية في بداية شغلها كان بيعدي عليها يسأل لو محتاجة حاجة، البنات واحدة واحدة بدأوا يلينوا، مش لأنهم نسوا، لكن لأنهم شافوا التغيير، وفي يوم عزومة بسيطة في بيت سارة اتجمعنا كلنا على سفرة واحدة، شريف قعد في النص وبص حوالينه وقال أنا أغنى واحد في الدنيا حتى لو معيش غيركم، ساعتها حسيت إن الدائرة بتتقفل، مش برجوع زواج ولا رجوع أيام، لكن برجوع إنسان لوعيه، بعد شهور قليلة اتعرض شريف لانتكاسة صحية بسبب
مضاعفات الحادث القديم، احتاج متابعة مستمرة، والمفارقة إن اللي كان بيكشف عليه ويتابع تقاريره بناته الخمسة، كان يدخل العيادة واحدة تكشف عليه والتانية تراجع الأشعة والتالتة تحط خطة العلاج، وهو يبصلهم بفخر ممزوج بحزن، يقول في نفسه لو الزمن يرجع ما كنتش أضيع لحظة بعيد عنهم، وفي ليلة وهو في المستشفى بسبب أزمة قلبية بسيطة طلب يشوفني، مسك إيدي وقال أنا عارف إني جرحتك أكتر من أي حد، ولو عندك ذرة تسامح سامحيني، يمكن ما نرجعش زي زمان لكن خليني أموت وأنا عارف إنك مش شايلة مني، بصيت له طويل وافتكرت بنتي الصغيرة وهي بتسألني زمان هو بابا زعلان مننا عشان إحنا بنات، وافتكرت ليالي الوحدة والدموع المكتومة، وافتكرت برضه إصراري إني أطلع من كل ده قوية، قلت له أنا سامحت عشان أعيش، مش عشانك، واللي فات درس لينا كلنا، ابتسم لأول مرة ابتسامة مريحة، وبعدها بسنة تقريبًا جاله تعب شديد ودخل العناية، البنات كانوا حواليه، ماكنش لوحده، يمكن دي كانت أعدل نهاية ليه، إنه يمشي وهو شايف الخمس بنات اللي كان فاكرهم نقص واقفين حوالينه جبل، قبل ما يدخل في غيبوبة
خفيفة قال بصوت واطي أوعوا تزعلوا من بعض، خليكوا دايمًا سوا، وبعد أيام رحل بهدوء، ماكانش في صراخ ولا انهيار، كان في دموع هادية ودعاء، اتدفن في مصر بين أهله، والناس كلها كانت بتهمس قد إيه بناته واقفين زي الرجال، وكنت أنا واقفة وراهم مش مكسورة ولا مهزومة، كنت واقفة وأنا عارفة إن الرحلة دي بدأت بوجع وانتهت بكرامة، بعد وفاته البنات قرروا يعملوا مؤسسة طبية باسمه تعالج غير القادرين، مش تكريمًا لغلطه لكن تكريمًا لرحلة تصحيحه، وكتبوا على بابها معًا نصنع الشفاء، وكل ما أشوف الاسم بفتكر إن الحياة مش أبيض وأسود، فيها سقوط وفيها نهوض، فيها أنانية وفيها ندم، لكن أهم حاجة إن الواحد يلحق يصلح قبل ما الستار ينزل، وأنا النهارده لما أبص حواليّ ألاقي خمس ستات ناجحات قويات بحس إن كل دمعة نزلت زمان كانت بتسقي شجرة نجاحهم، وإن اللي راهن على الولد خسر، واللي تمسك ببناته كسب الدنيا والآخرة، ويمكن ده الجزء التاني من الحكاية، حكاية إن القوة مش في إنك ما تتوجعش، القوة إنك تقوم بعد الوجع وتكمل، وتخلي اللي كسرك يوم يبص لك بفخر حتى لو بعد فوات الأوان.