غرفة سرية في قصر ابن الأكابر

لمحة نيوز

شاهيناز هانم فضلت باصة لمي بنفس الابتسامة الباردة اللي تخوف أكتر من الصريخ، والسكوت بينها وبين مي كان أتقل من الرصاص. مي حسّت إن قلبها هيقف، وإن نفسها بيتقطع، لكن الفقر والخوف ساعات بيخلقوا كدب أسرع من الرصاصة. بلعت ريقها وقالت وهي بتحاول تثبت صوتها
الزرار كان عطلان يا هانم الكهربا كانت بتفصل وترجع.
شاهيناز قربت خطوة ريحتها كانت خليط عطر غالي وسجاير، لكن تحتهم ريحة دم مستخبي. رفعت إيدها ولمست خد مي بخفة، وقالت بابتسامة مرعبة
إوعي الفضول يا مي الفضول هنا بيموت الناس.
وبعدين سابت لها طريق السلم ومشيت.
لكن قبل ما تختفي، قالت جملة خلت رجلين مي يسيحو
بالمناسبة أمك نقلناها أوضة أحسن في المستشفى النهارده. إحنا بنحب الناس المطيعة.
مي اتجمدت.
يعني هما يعرفوا المستشفى والدكاترة وكل حاجة.
في الليلة دي، مي ماعرفتش تنام. كانت قاعدة على السرير الصغير في أوضة الخدم، سامعة المطر بيخبط الشبابيك، وصوت منتصر الجارحي بيرن في ودنها
راغب بيه أوسخ مما الناس تتخيل.
لكن السؤال الحقيقي كان
هل منتصر نفسه صادق؟
ولا ده فخ؟
مع أول ضوء للفجر، القصر رجع لطبيعته المرعبة. الخدم بيجروا، الضحكات الهادية، والرخام اللامع اللي مخبي تحته جهنم. راغب بيه كان قاعد على السفرة الكبيرة، لابس بدلة رمادي، وبيضحك مع ضيف سياسي مشهور كأنه ملاك. شاهيناز قاعدة جنبه، أنيقة وهادية، وكأنها ماحبستش بني آدم تحت الأرض.
مي كانت بتحط القهوة بإيد بترتعش، وفجأة راغب رفع عينه وبصلها مباشرة.
نظرة طويلة تقيلة كأنه بيقرا أفكارها.
وقال بابتسامة هادية
إسمك مي صح؟
أيوه يا بيه.
أمك عاملة إيه دلوقتي؟
الفنجان كاد يقع من إيدها.
كل حاجة عندهم تحت السيطرة.
بعد الفطار، أم أحمد شدت مي من دراعها ودخلتها المطبخ بعنف.
إنتي

شوفتي إيه تحت؟
مي سكتت.
أم أحمد دموعها لمعت فجأة وقالت بصوت مكسور
لو عايزة تعيشي إنسي.
لكن مي ماقدرتش تنسى.
بالليل، وهي بتنضف أوضة المكتب، افتكرت الأجندة الحمرا. المكتب كان في الدور التاني، قدامه حارس، والكاميرات في كل زاوية. بس الليلة دي كان في حفلة جديدة، وكل الحرس متوزعين بره.
مي دخلت المكتب بسرعة وهي سامعة دقات قلبها أعلى من صوت الموسيقى. المكتب كان ضخم ريحة سيجار، مكتبة خشب، ولوحات ناس مهمين مع راغب بيه. درج المكتب مقفول ببصمة.
وقبل ما تيأس، افتكرت حاجة
شاهيناز كانت كل شوية تلمس كوباية الخمر بتاعتها بإيدها اليمين.
مي جريت للميني بار، لقت الكوباية لسه مكانها.
طلعت شريط لاصق شفاف من جيبها، خدت البصمة بحذر، وحطتها على جهاز الدرج.
تك.
الدرج اتفتح.
وجوا كانت الأجندة الحمرا.
لكن مش بس كده.
صوت باب المكتب بيتفتح.
مي اتجمدت.
شاهيناز دخلت بهدوء، ماسكة مسدس أسود صغير، وعلى وشها نفس الابتسامة الباردة.
كنت متأكدة إن الفضول هيقتلك يا مي.
مي رجعت لورا وهي ماسكة الأجندة.
شاهيناز رفعت المسدس
هاتيهالي وأنا أوعدك أمك تعيش.
لكن في اللحظة دي، نور المكتب طفى فجأة!
وصوت طلق نار دوّى.
شاهيناز صرخت.
ولما النور الاحتياطي اشتغل كان الحارس مرمي على الأرض غرقان في دمه، ومنتصر الجارحي واقف عند الباب، هدومه متقطعة وجسمه كله دم، لكنه ماسك سلاح.
منتصر شد مي من إيدها
اجري!
القصر كله انفجر فوضى. صفارات إنذار، رجالة بسلاح، وصوت راغب بيه بيزعق تحت. منتصر ومي جريوا في الممرات الخلفية، لحد ما وصلوا جراج سري تحت الأرض. عربية سوداء كانت مستنياهم.
منتصر فتح الباب بسرعة، لكن قبل ما يركبوا، شاهيناز ظهرت فوق السلم، وشعرها منكوش وعينها كلها كراهية.
وراحت ضاربة النار.
الرصاصة دخلت في كتف
مي.
مي وقعت وهي بتصرخ، والأجندة وقعت منها على الأرض.
شاهيناز نزلت ببطء تاخدها لكن منتصر ضربها بالنار في رجلها. شاهيناز وقعت تصرخ لأول مرة، ووشها الجميل اتحول لوحش حقيقي.
منتصر خد مي بالعافية وركب العربية، وانطلقوا وسط المطر.
في شقة قديمة مهجورة على أطراف القاهرة، منتصر عالج جرح مي بنفسه.
ومي كانت بتبصله بخوف
إنت مين بجد؟
سكت شوية وبعدين قال
أنا كنت شريك راغب.
مي حسّت الأرض بتلف.
منتصر كمل بصوت مليان ندم
عينه دمعت لأول مرة.
ومن ساعتها، منتصر حاول يهرب بالمستندات، لكن راغب خطفه وحبسه تحت القصر عشان يقتله ببطء.
مي قالت بخوف
والشرطة؟
منتصر ضحك بمرارة
نصهم شغالين عنده.
لكن الفلاشة والأجندة كان فيهم كل حاجة أسامي قضاة، رجال أعمال، ضباط، عمليات تهريب، وحسابات بملايين الدولارات.
وفجأة باب الشقة اتفتح بعنف.
أم أحمد دخلت وهي بتنهج.
مي اتصدمت
إنتي عرفتي مكاننا إزاي؟
أم أحمد بصتلهم وقالت
عشان أنا اللي دخلت منتصر القصر من الأول.
واتضح إن أم أحمد كانت زمان أم لبنت اختفت من الشبكة، ومن يومها وهي شغالة عند راغب تتجسس عليه.
لكن قبل ما يكملوا كلام
الموبايل رن.
رقم غريب.
مي ردت ووشها اصفر.
كان راغب بيه.
صوته كان هادي بطريقة تخوف
أمك دلوقتي تحت إيدي.
مي انهارت
أرجوك سيبها!
راغب قال ببرود
الأجندة والفلاشة مقابل أمك وتعالوا لوحدكم.
منتصر رفض فوراً.
ده فخ.
لكن مي كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان أمها.
وفي الليل، راحوا للمكان المحدد مصنع قديم مهجور على طريق السويس.
المكان كان ضلمة، والهواء مليان تراب وحديد صدي.
وفي نص المصنع أم مي مربوطة على كرسي.
مي جريت تبوس إيد أمها وهي بتعيط.
لكن فجأة الكشافات نورت.
وعشرات الرجالة المسلحين ظهروا.
وراغب بيه خرج من الضلمة، لابس بدلة شيك
كأنه رايح حفلة، وشاهيناز جنبه ورجلها مربوطة من الإصابة، لكن عينيها مليانة نار.
راغب بص لمنتصر وقال
كنت ابني ليه خنتني؟
منتصر رد وهو رافع السلاح
لأنك شيطان.
راغب ضحك
لا أنا مصر الحقيقية يا ابني.
وفجأة صوت عربيات شرطة دوّى بره المصنع.
راغب اتصدم.
منتصر ابتسم لأول مرة
أنا مبعتش الملفات للشرطة
وبص لمي
هي اللي بعتتها.
مي كانت قبل ما تدخل المصنع، باعت نسخة من كل حاجة لصحفي معروف، ولمباحث دولية، ولمذيعين كبار.
المصنع اتحاصر.
وراغب لأول مرة فقد هدوءه.
بدأ يضرب نار في كل اتجاه، والرجالة هربوا، والمكان اتحول لجحيم.
شاهيناز حاولت تقتل مي، لكن أم أحمد رمت نفسها قدام الرصاصة وماتت مكانها.
منتصر واجه راغب وسط النار والدخان، والاتنين ضربوا النار على بعض.
ولما الشرطة اقتحمت المصنع لقت راغب بيه واقع في بركة دم، ومنتصر مصاب جامد، لكنه عايش.
وشاهيناز كانت بتحاول تهرب، لكن مي وقفت قدامها لأول مرة بدون خوف.
شاهيناز بصتلها بكره وقالت
إنتي فاكرة إنك انتصرتي؟ الناس دي عمرها ما بتخلص.
مي ردت والدموع في عينها
بس الخوف ممكن يخلص.
بعد شهور، مصر كلها كانت بتتكلم عن قضية قصور الأكابر. وزراء دخلوا السجن، وأسماء كبيرة وقعت.
أما مي
فكانت قاعدة جنب أمها في شقة صغيرة متواضعة، لكنها أول مرة تحس بالأمان.
وفي يوم ممطر، خبط حد على الباب.
فتحت
كان منتصر.
واقف بعكاز، وعلى وشه ابتسامة خفيفة.
وقال
لسه قدامنا حرب طويلة.
مي بصت للسما ولأول مرة من سنين، ماخافتش من الرعد.
المطر كان نازل على شباك الشقة الصغيرة كأنه بيحاول يغسل كل الدم اللي اتراق، لكن في حياة مي مفيش حاجة كانت بتتنضف بسهولة.
بعد سقوط راغب بيه وشاهيناز، الناس كلها افتكرت إن الكابوس خلص وإن الشبكة اتكسرت خلاص.
بس الحقيقة؟
الحقيقة
كانت أسوأ بكتير.
منتصر الجارحي اختفى.
بعد ليلة المصنع بأسبوع، الأخبار قالت إنه شاهد رئيسي تحت الحماية، لكن محدش شافه، ولا حتى مي.
والأغرب؟
كل
تم نسخ الرابط