غرفة سرية في قصر ابن الأكابر
يومين كانت قضية من القضايا الكبيرة تختفي من المحكمة، وشهود يتراجعوا، وضباط يتنقلوا فجأة.
كأن في حد بيقطع أطراف الحقيقة واحدة واحدة.
مي حاولت تبدأ حياة جديدة. اشتغلت في محل أدوات طبية قريب من المستشفى اللي أمها بتتعالج فيه، وكانت كل ليلة ترجع مرهقة، لكنها لأول مرة مش خايفة من باب يتفتح عليها في الضلمة.
لكن الخوف الحقيقي كان مستنيها.
في ليلة هادية، وهي راجعة البيت بعد الشغل، حسّت إن عربية سودا ماشية وراها ببطء.
كل ما تسرع العربية تسرع.
كل ما تبطأ تبطأ.
قلبها بدأ يدق بعنف.
دخلت شارع ضيق ناحية بيتها، وفجأة العربية وقفت.
والباب الخلفي اتفتح.
نزل راجل طويل، لابس بدلة سودا، وفي ودنه سماعة صغيرة.
قال بصوت بارد
الأستاذة مي؟
مي رجعت خطوة
مين حضرتك؟
الراجل طلع ظرف أبيض ومدهولها.
رسالة من شخص قديم.
وأول ما مي لمست الظرف، الراجل ركب العربية واختفى.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الجواب.
وفي الورقة
كان مكتوب سطر واحد
لو عايزة تشوفي منتصر حي متبلغيش الشرطة وتعالي بكرة الساعة 11 بالليل للمكان اللي أبوكي مات فيه.
مي حسّت نفسها بتختنق.
أبوها كان مات من 12 سنة في مخزن قديم على طريق إسكندرية الصحراوي.
قالوا وقتها حادثة شغل لكن مي عمرها ما صدقت.
وفي اليوم التاني، فضلت طول اليوم مش عارفة تقرر.
عقلها بيقول فخ.
وقلبها بيقول منتصر عايش.
وفي النهاية راحت.
المخزن كان
دخلت بحذر وهي ماسكة كشاف صغير.
وفجأة الباب اتقفل وراها بعنف.
مي شهقت ولفت بسرعة.
والنور اشتغل مرة واحدة.
لكن اللي شافته خلّى الدم يهرب من جسمها.
منتصر كان موجود فعلًا
لكن مربوط في كرسي، ووشه كله دم.
وحوله خمس رجالة مسلحين.
وفي النص
واقف راجل شعره أبيض، لابس بدلة شيك جدًا، وبيدخن سيجار بهدوء.
ابتسم وقال
أخيرًا شوفنا البنت اللي قلبت الدنيا.
مي بصت له برعب
إنت مين؟
الراجل ضحك ضحكة قصيرة وقال
أنا الشخص اللي كان راغب بيشتغل عنده.
الدنيا اسودت في عين مي.
يعني راغب نفسه كان مجرد تابع.
الراجل قرب منها وقال
اسمي سليم عزت لكن أغلب الناس بتناديني الباشا.
منتصر رفع راسه بالعافية وصرخ
اهربي يا مي!
لكن واحد من الرجالة ضربه في بطنه بعنف خلاه يصرخ دم.
مي دموعها نزلت رغصب عنها.
سليم عزت بص لها بهدوء مرعب
إنتي شجاعة وذكية وده اللي مخليني عايز أديكي فرصة.
مي بصتله بقرف
فرصة لإيه؟
سليم ابتسم
تشتغلي معايا.
مي افتكرت إنها سمعت غلط.
لكن سليم كمل بنفس البرود
راغب كان غبي. كان بيستخدم الخوف بس. إنما إنتي الناس بتصدقك. بنت فقيرة غلبانة كشفت شبكة كبيرة؟ الرأي العام بيحب النوع ده.
وقرب أكتر وهمس
تخيلي لو بقيتي الوجه الجديد للمؤسسة بطلة اجتماعية وإحنا من وراكي نكمل شغلنا أنضف وأهدى.
مي بصت له كأنه شيطان طالع من قبر.
قالت
إنتوا مرضى.
سليم ضحك بهدوء
لا يا بنتي إحنا أغنيا.
وفجأة، رمى قدامها ملف.
مي فتحته واتجمدت.
صور أمها.
وصور بيتها.
وصور ليها وهي ماشية في الشارع.
سليم قال بهدوء
إحنا نقدر نرجعك للتراب في دقيقة أو نخليكي ملكة.
منتصر حاول يفك نفسه وهو بيزعق
متسمعيش كلامه!
لكن سليم سحب مسدسه وحطه على راس منتصر.
آخر فرصة يا مي.
المي سكتت
الخوف كان بيخنقها.
لكن فجأة افتكرت أم أحمد وهي بتموت قدامها، وافتكرت البنات اللي شافت صورهم، وافتكرت نفسها وهي بتنضف دم الناس تحت القصر.
رفعت عينيها وقالت بثبات
إقتلنا.
الصمت وقع على المكان.
وبعدين
سليم ابتسم.
ابتسامة مرعبة جدًا.
وقال
تمام.
ورفع المسدس.
لكن قبل ما يضرب النار
صوت انفجار دوّى برا المخزن.
الحوائط اتهزت.
الرجالة اتلخبطت.
وفجأة، شبابيك المخزن اتكسرت، وقنابل دخان اترمت جوه.
الرؤية اختفت.
وصوت ضرب نار ملّى المكان.
حد شد مي من إيدها وسط الدخان
اجري!
كان منتصر.
قدر يفك نفسه وقت الفوضى.
الاتنين جريوا بين الرصاص والدخان لحد باب خلفي.
لكن أول ما خرجوا
لقوا عربيات كتير مستنياهم.
ورجالة لابسين أسود نازلين منها.
منتصر وقف فجأة.
مي شهقت
إحنا اتحاصرنا!
لكن المفاجأة إن الرجالة وجهوا سلاحهم ناحية المخزن مش ناحيتهم.
واحد منهم قرب وقال لمنتصر
اتأخرت علينا يا ريس.
مي بصت لمنتصر بعدم فهم.
منتصر تنهد وقال
أنا ماكنتش مستخبي طول
واتضح إن منتصر أسس مجموعة سرية من ضباط سابقين، وصحفيين، وأهالي ضحايا الشبكة.
وحصل تبادل نار ضخم قدام المخزن.
النار مسكت في المكان، وصريخ الرجالة كان مرعب.
وفي وسط الجحيم خرج سليم عزت بهدوء، هدومه سليمة كأنه شيطان النار مبتلمسوش.
بص لمنتصر وقال
فاكر إنك تقدر تكسب؟
منتصر رفع سلاحه
هحاول.
سليم ابتسم وضغط زر صغير في ساعته.
وفجأة
صوت صفارات قنابل بدأ يعد تنازلي.
منتصر عينيه وسعت
الكل يهرب!
المخزن كله كان متفخخ.
الجميع جري.
مي وقعت على الأرض وسط الزحمة، ولسه هتقوم، لقت حديدة كبيرة واقعة فوق رجلها.
صرخت من الألم.
والعد التنازلي شغال.
منتصر كان على بعد خطوات من باب الخروج لكنه بص لورا.
وللحظة واحدة
قرر.
رجع لها وسط النار.
مي كانت بتعيط
سيبني! اهرب!
لكن منتصر رفع الحديد بإيده المجروحة، وشدها وهو بيتألم.
وفي آخر ثانية
رمى نفسه عليها.
والانفجار هز الدنيا.
بعدها بأيام
مي فتحت عينيها في المستشفى.
جسمها كله كان بيوجعها.
وأول سؤال سألته
منتصر فين؟
الدكتور سكت.
وقتها قلبها وقع.
لكن بعدها بثواني
الباب اتفتح.
ودخل منتصر على كرسي متحرك، جسمه كله شاش، لكنه حي.
ابتسم وقال
للأسف لسه ما متش.
مي ضحكت وهي بتعيط لأول مرة من قلبها.
لكن الفرحة ما طولتش.
لأن في نفس اللحظة
التلفزيون في الأوضة اشتغل بخبر عاجل
هروب
منتصر بطل يبتسم.
ومي فهمت الحقيقة المرعبة
الحرب لسه حتى ما بدأتش.