الساعة كانت ٢١٣ بعد نص الليل لما موبايل مروان فضل يرن على ترابيزة الاجتماعات الإزاز في شركته بالتجمع، وسط ملفات المشاريع وأصوات التكييف الباردة اللي خلت المكان شبه مقبرة كبيرة فاضية. كان مرهق، عينيه حمرا من السهر، وربطة الكرافتة مفكوكة من كتر الضغط، لكنه أول ما شاف اسم أمه الحاجة ليلى رد بسرعة. أمه عمرها ما بتتصل في الوقت ده إلا لو في مصيبة. سمع صوتها الواطي المتوتر، الصوت اللي طول عمره كان يعرف يحرّك جواه إحساس الذنب والخوف في نفس الوقت. قالت وهي بتتنهد مراتك بتضيع يا مروان البنت دي مش طبيعية، وأنا خايفة على آدم. لو ما لحقتش الموضوع، يوم من الأيام هتأذي الواد. مروان سكت شوية، حاسس إن الكلام بيخبط جواه، لكنه حاول يقنع نفسه إنها مجرد أم خايفة على حفيدها. من ساعة ما يارا ولدت وابنهم آدم جه الدنيا، البيت كله اتغير. يارا اللي كانت بتضحك من قلبها، وترسم للأطفال شخصيات كرتون على التابلت بالساعات، بقت شبه شبح. وشها أصفر، جسمها مرهق، عينيها غرقانة في سواد مخيف، ودايمًا مرتبكة كأنها صاحية من كابوس. الحاجة ليلى كانت كل يوم تزرع جملة جديدة في دماغ ابنها. دي عندها اكتئاب بعد الولادة. أنا شايفة نظراتها للطفل ومش مطمنة.
في ستات ماينفعوش يبقوا أمهات. ومروان للأسف كان بيسمع ويسكت. لأنه طول عمره متربي إن أمه عمرها ما تغلط. في البداية كان بيحاول يحتوي مراته، لكن مع الوقت بدأ يتوتر منها فعلًا. خصوصًا لما يلاقيها ساعات قاعدة تبص للسقف وهي شايلة آدم كأنها تايهة، أو لما تنسى تاكل، أو لما تفضل نايمة ساعات طويلة بشكل غريب. وأمه دايمًا جاهزة بالتفسير شوفت؟ قلتلك البنت دي مش بخير. لكن اللي مروان ماكنش يعرفه إن يارا ماكنتش مريضة كانت ضحية. وكل يوم بيتسحب منها جزء من عقلها وهي مش فاهمة ليه. في صباحات كتير كانت تصحى حاسة بدوخة غريبة، قلبها بيدق بسرعة، إيديها بتترعش، وكأن جسمها مخدر. كانت تحاول تقول لمروان إنها حاسة بحاجة غلط، إنه في حاجة بتحصلها، لكنه كان يبصلها بتعب ويقول إنتِ موسوسة يا يارا ارتاحي بس. ومع الأيام، بدأت حتى هي تشك في نفسها. يمكن فعلًا بقت مجنونة؟ يمكن الحمل والولادة دمروها؟ الحاجة ليلى كانت بارعة في اللعبة دي. تدخل الأوضة بابتسامة هادية وتمسح على شعرها وتقول قدام مروان يا حبيبتي إنتِ محتاجة علاج بس، وأنا جنبك. وبعد ما يخرج ابنها، وشها يتقلب فجأة لملامح باردة مرعبة. لو فتحتي بقك بكلمة، هخلي مروان ياخد منك ابنك. كانت تستمتع
بخوفها. تستمتع وهي تشوف واحدة بتتكسر حتة حتة قدامها. وفي يوم، بينما كان مروان قاعد في مكتبه يحاول يركز في شغل المقاولات اللي فوق دماغه، وصوت أمه لسه بيرن في ودنه، قرر يعمل حاجة. كان محتاج يعرف الحقيقة بنفسه. اشترى كاميرا مراقبة صغيرة جدًا، وخباها جوه فازة خزف فوق الدولاب في أوضة البيبي. أقنع نفسه إنه بيحمي ابنه وإنه لازم يعرف هل مراته فعلًا ممكن تأذي الطفل ولا لا. وفي نفس الليلة، وهو لسه في الشركة، إشعار حركة ظهر على الموبايل. فتح التطبيق بسرعة. الرؤية الليلية كانت مشوشة، لكن الصورة وضحت تدريجيًا. يارا كانت قاعدة على الأرض، ضامة آدم لصدرها وبتعيط بصمت. طفلها حرارته عالية وهي بتحاول تهديه. فجأة الباب اتفتح بعنف، والحاجة ليلى دخلت. إيه؟ رجعتي لدور الضحية تاني؟ يارا بصتلها بخوف وقالت بصوت مكسور آدم سخن لازم أكلم الدكتور. الحاجة ليلى قربت منها بعصبية وخطفت الببرونة من إيدها. إنتِ مش هتكلمي حد. اللي محتاج علاج هنا هو إنتِ. بعدين شدت شعرها بعنف لورا لدرجة إن يارا شهقت من الوجع، لكنها حضنت ابنها أكتر كأنها بتحميه بجسمها. ومروان واقف قدام الشاشة متجمد. أول مرة يشوف أمه بالشكل ده. أول مرة يشوف الرعب الحقيقي في عيون
مراته. بعدها الحاجة ليلى بصت حواليها واتأكدت إن محدش شايف، وطلعت زجاجة صغيرة غامقة من جيب الروب. فتحتها بهدوء وحطت نقطتين في الببرونة. وقالت وهي بتهمس في ودن يارا بكرة ابني يشوفك نايمة ومش مركزة زي كل مرة وساعتها هيتأكد إنك مجنونة. وبعدها هاخد الولد منك غصب. قلب مروان وقف. حرفيًا حس إن نفسه اتسحب. الزجاجة كانت مخدر. أمه كانت بتخدر مراته يوميًا عشان تبان مريضة نفسيًا. لكن الكابوس الحقيقي بدأ بعدها. الحاجة ليلى قعدت على طرف السرير تبص للطفل بطريقة غريبة، وقالت بنبرة باردة آدم ده لازم يتربى بعيد عنك بعيد عن أم زيك. وأنا هخلي مروان يطلقك بنفسه. يارا كانت بترتعش وهي بتقول ليه بتعملي كده؟ أنا عملتلك إيه؟ فردت الحاجة ليلى بابتسامة مرعبة لأنك أخدتي ابني مني. بعدها الكاميرا سجلت أخطر جملة. الحاجة ليلى قالت أنا ضحيت بعمري كله علشان مروان، ومش هسيب واحدة زيك تسرقه. حتى لو اضطرّيت أدفنك. مروان قام من كرسيه بعنف لدرجة إنه وقع وراه. خد مفاتيحه ونزل جري. الطريق من التجمع لمدينة نصر عمره ما كان طويل بالشكل ده. كان بيسوق بجنون، الإشارات كلها معدتش فارقة معاه. دماغه مليانة صورة مراته وهي مكسورة على الأرض. طول الطريق كان