بنت مراتي ليلي كان عندها سبع سنين، وكل ما البيت يفضى ونقعد لوحدنا كانت تعيط بصمت غريب يخلي قلبي يتقبض، وأمها مروة كل مرة تضحك وتقول سيبك منها يا جلال دي بتحب الدراما وبتعرف تلوّي القلوب، لكن أنا بحكم شغلي كممرض طوارئ في قصر العيني كنت متعود أشوف الخوف الحقيقي حتى لو مستخبي ورا سكوت طويل، ومتعود إن الإنسان لما يتوجع بجد بيحاول يصغر نفسه ويختفي بدل ما يصرخ، وده بالظبط اللي كنت بشوفه في ليلي من أول يوم دخلت فيه البيت بعد جوازي من أمها، البنت كانت هادية زيادة عن اللزوم، تستأذن قبل ما تشرب مية، تعتذر لو صوتها علي، وتبص لأي حد كبير كأنه قاضي هيحكم عليها، وكنت كل ما أحاول أقرب منها ألاقيها مترددة وخايفة كأنها مستنية مني حاجة وحشة تحصل في أي لحظة، ومع الوقت بدأت آخد بالي إن مروة رغم شكلها الهادي قدام الناس كانت دايمًا بتحاصر البنت بكلام غريب، مرة تقول لها خلي بالك جلال لو عرف حقيقتك مش هيقعد معانا، ومرة تانية تقول كل الناس بتمشي بسببك، وكانت ليلي كل مرة تسمع الجملة دي تنكمش في نفسها أكتر، وأنا كنت بحاول أقنع نفسي إن يمكن دي طريقة تربية قاسية شوية لكن مش أكتر، لحد اليوم اللي
مروة سافرت فيه مأمورية شغل لمدة تلات أيام، والبيت لأول مرة حسيت إنه هادي بزيادة، حتى ليلي نفسها كانت ماشية براحة شوية وكأنها بتتنفس، وفي أول ليلة عملت لها فشار وسيبتها تختار فيلم كرتون، فقعدت جمبي على الكنبة وهي ضامة البطانية لحد دقنها، وبعد نص ساعة لقيتها بتعيط في صمت، سألتها مالك يا حبيبتي فقالت بعد تردد طويل ماما قالت إنك هتمشي أول ما تعرفني بجد، حسيت وقتها إن حد قبض على قلبي بإيده، وقلت لها بهدوء أنا مش همشي يا ليلي، فبصت لي بنظرة فيها رغبة تصدقني وخوف إنها تتعلق بالكلام، ومن اللحظة دي بدأت البنت تتكلم معايا أكتر، حكت لي إنها دايمًا حاسة إنها تقيلة على أي حد، وإن أمها دايمًا تكرر قدامها إن أبوها الحقيقي سابهم عشان ماكانش مستحملها، وإن أي راجل يدخل حياتهم هيعمل زيه، وكل ما كانت تتكلم كنت أحس إن طفلة صغيرة شايلة ذنب أكبر من عمرها بسنين، وفي اليوم التالت الصبح قبل رجوع مروة كنت بساعدها ترتب شنطتها للمدرسة، فوقعت من جيب الشنطة ورقة متكرمشة قديمة، فجرَت بسرعة تاخدها مني وهي مرعوبة بشكل خلاني أتجمد، قلت لها بهدوء دي إيه؟ فسكتت شوية وبعدين قالت كنت مخبياها عشان محدش يشوفها،
ومدتها لي بإيد مرتعشة وهي تهمس اقراها يا بابا، ودي كانت أول مرة تناديني فيها بابا، الكلمة دخلت قلبي بشكل ماقدرش أوصفه، فتحت الورقة ولقيتها جزء من جواب قديم مكتوب بخط راجل واضح إنه كان بيكتب وهو متألم، الكلام كان بيقول لو ليلي قرت الجواب ده يوم من الأيام لازم تعرف إني عمري ما سيبتها بإرادتي، وإن أكتر حاجة وجعتني في الدنيا إني اتمنعت عنها، قعدت مكاني مش قادر أتنفس، وكملت قراية، الراجل كان بيحكي إنه دخل مصحة نفسية فترة بعد وفاة ابنه الصغير، وإنه وقتها كان منهار نفسيًا ومحتاج علاج، لكن أثناء وجوده هناك اتفاجئ إن مراته رفعت عليه قضايا وخدت حضانة ليلي ومنعته يشوفها، وبعد ما خرج حاول يرجع لها بكل الطرق لكنها كانت كل مرة تقفل الباب في وشه وتقول للبنت إنه تخلى عنها، الورقة كانت باين عليها إنها جزء من رسايل أكتر، وفي آخرها جملة خلت جسمي يقشعر لو كبرتي يا ليلي وافتكرتِ إني وحش، سامحيني، في ناس قدرت تسرقك مني لكنها ماقدرتش تخليني أبطل أحبك، رفعت عيني على ليلي لقيتها بتعيط بصمت وتقول هو بابا كان وحش فعلًا؟، وماعرفتش أرد بسرعة، لأن اللي فهمته وقتها إن البنت دي اتربت سنين على خوف وكدبة
كبيرة، وإن أمها كانت بتبني عالم كامل حوالين فكرة إن كل الناس بتسيبها، ولأول مرة بدأت أربط حاجات كتير ببعض، نظرات الرعب، الاعتذار المستمر، والخوف من التعلق بأي حد، كل ده ماكانش دلع ولا تمثيل، ده كان خوف طفلة متربية على إنها السبب في خراب أي علاقة، لما رجعت مروة بالليل كان وشها هادي كعادته لكن أول ما شافت الورقة في إيدي لونها اتغير للحظة ورجع طبيعي بسرعة، وقالت وهي تضحك إيه ده؟ لسه محتفظة بالخزعبلات دي؟، لكن ضحكتها كانت متوترة وأنا لأول مرة أشوف القناع بيقع من على وشها، سألتها بهدوء عن أبو ليلي الحقيقي، فسكتت ثواني وقالت راجل مريض ومش متزن، لكن ردها كان محفوظ زيادة عن اللزوم، بينما ليلي كانت واقفة مستخبية ورايا لأول مرة من يوم ما عرفتها، وفي اللحظة دي حسيت إن الطفلة دي بدأت تعتبرني أمانها الوحيد، ومقدرتش أتجاهل ده، الليلة دي مروة حاولت تقنعني إن الجواب قديم وكلام فارغ وإن الراجل كان خطر على بنته، لكن كل كلمة كانت بتقولها كنت أحس إنها بتدافع عن صورة رسمتها طول السنين وخايفة تقع، وبعد يومين بدأت أدور بنفسي، وسألت واحد صاحبي شغال في الشؤون القانونية بالمستشفى يساعدني أفهم