بنت مراتي

لمحة نيوز

من اللي شافته، وفي مرة وإحنا راجعين من المكتبة سألتني فجأة هو أنت كنت خايف مني الأول؟، استغربت السؤال وقلت خايف منك ليه؟، قالت وهي باصة من شباك العربية عشان ماما كانت دايمًا تقول إن محدش يقدر يحبني كتير، وقفت العربية على جنب وقتها وبصيت لها، كانت بتقول الجملة عادي جدًا كأنها حقيقة علمية، وده كان المرعب، لأن أخطر الجروح هي اللي صاحبها يتعود عليها لدرجة يشوفها طبيعية، قلت لها بهدوء فيه ناس كتير ماعرفوش يحبوا صح يا ليلي، لكن ده عمره ما معناه إنك صعبة تتحبي، البنت سكتت ثواني وبعدين قربت مني لأول مرة من غير خوف وأسندت راسها على كتفي، اللحظة دي حسيت إن كل التعب يستاهل، وبعدها بأيام أبوها الحقيقي بدأ يزورها بشكل منتظم، وكان كل لقاء بينهم يداوي حتة صغيرة اتكسرت زمان، الراجل كان بيحاول يعوضها عن سنين كاملة، يجيب لها كتب، يسمعها وهي تحكي، ويتعلم
تفاصيلها من جديد، مرة وقف يبص لها وهي بتلعب وقال لي بعين مليانة دموع أنا كنت فاكر إنها هتكرهني، ساعتها فهمت قد إيه الإنسان ممكن يعيش عمره كله مكسور بسبب كذبة اتقالت في لحظة ضعف، لكن رغم كل التحسن ده، مروة كانت بتغرق أكتر في الوحدة، لأنها لأول مرة تكتشف إن السيطرة بالخوف عمرها ما تبني حب حقيقي، وفي ليلة من الليالي سمعتها وهي بتعيط لوحدها في المطبخ، كان صوتها متكسر بشكل عمري ما سمعته قبل كده، قالت لي وهي منهارة أنا كنت فاكرة لو خليتها تخاف من الناس هتفضل محتاجاني، سكت ثواني وبعدين كملت ماكنتش أعرف إني بخسرها كل يوم، ولأول مرة شوفت فيها إنسانة ضعيفة فعلًا مش الست الباردة اللي طول الوقت لابسة قناع السيطرة، لكن حتى الندم ماكانش كفاية يمحي أثر السنين، ليلي بقت تتعامل معاها بحذر، لا هي قادرة تكرهها بالكامل ولا قادرة ترجع تثق فيها بسهولة، وده
كان طبيعي، لأن القلوب الصغيرة لما تتكسر بتحتاج وقت طويل عشان تصدق الأمان من جديد، والشهور عدت، والبيت بقى أهدى، لكن الهدوء المرة دي كان حقيقي، مش هدوء خوف، وفي يوم مدرسة ليلي عملت حفلة صغيرة للأطفال، وكل طفل يطلع المسرح يقول نفسه يبقى إيه لما يكبر، الأطفال كانوا بيقولوا دكتورة ومهندس ولاعبة جمباز، أما ليلي فطلعت ماسكة الميكروفون بإيدين بيرتعشوا شوية وقالت أنا عايزة أبقى حد يخلي الأطفال ما يخافوش، القاعة كلها سكتت، وأنا حسيت دموعي هتنزل غصب عني، لأنها رغم سنها الصغير كانت فاهمة الوجع أكتر من ناس كبيرة، وبعد الحفلة جريت عليا وقالت وهي بتضحك شوفت؟ ماخفتش، ضحكت وقتها وقلت لها وأنا عمري ما كنت فخور بحد قدك، ومن يومها بدأت أشوف ليلي الحقيقية، البنت الشقية اللي بتحب الرسم، واللي تضحك بصوت عالي لما تتفرج على فيلم كرتون، واللي تعند عشان تاكل
بطاطس زيادة، وكل مرة كنت بشوف فيها التفاصيل العادية دي أحس بحزن على الطفلة اللي اتأخرت تعيشها، وفي ليلة شتوية بعد شهور طويلة، كنت قاعد جنبها وهي بتذاكر، رفعت عينيها وسألتني هو أنت ندمت إنك اتجوزت ماما؟، السؤال فاجأني، لكني فكرت شوية وقلت يمكن اتوجعت من حاجات كتير يا ليلي، بس عمري ما هندم على اليوم اللي خلاني أعرفك، البنت ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت يبقى أنا كمان مش ندمانة، وبعدها قامت جريت على أوضتها ورجعت بورقة صغيرة مطوية، ادتهالي وقالت دي ليك، فتحتها لقيت رسمة بسيطة جدًا لراجل طويل وبنت صغيرة ماسكين إيد بعض، وفوقهم مكتوب بخط أطفال متلخبط البيت اللي محدش بيسيب فيه حد، وقتها بس فهمت إن الشفا الحقيقي مش معناه إن الوجع يختفي، الشفا الحقيقي إن الإنسان يلاقي أخيرًا مكان آمن يقدر يتوجع فيه من غير ما يخاف.
الهواري ومتنسوش الصلاة على النبي

تم نسخ الرابط