حقيقة الراجل، واكتشفت إنه فعلًا دخل علاج نفسي بعد صدمة وفاة ابنه لكنه خرج متعافي من سنين، وإن مافيش أي بلاغات ضده ولا أي أذى حقيقي اتسجل عليه، بالعكس كان بيبعت طلبات يشوف بنته باستمرار، وكل مرة كانت تتقابل بالرفض، وقتها حسيت بغضب عمري ما حسيت زيه، مش غضب راجل على مراته، ده غضب إنسان اكتشف إن طفلة صغيرة اتسرق منها شعور الأمان والانتماء سنين كاملة، رجعت البيت يومها ولقيت ليلي قاعدة في أوضتها ترسم، رسمت بيت صغير فيه تلاتة ماسكين إيد بعض، سألتها مين دول فقالت بخجل أنا وأنت وبابا الحقيقي لو رجع، الجملة كسرتني، وقعدت جنبها وقلت لها إن الإنسان ساعات الكبار يغلطوا ويقولوا كلام يوجع، لكن ده مش معناه إن الطفل هو السبب، وإنها عمرها ما كانت حمل على حد، ولا سبب خراب أي بيت، البنت فضلت تبصلي ثواني طويلة وبعدين لأول مرة ابتسمت ابتسامة كاملة، صغيرة وضعيفة لكنها حقيقية، ومن اليوم ده بدأت تتغير، بقت تتكلم أكتر، تضحك بصوت أعلى، وتطلب مني أحكي لها حواديت قبل النوم، أما مروة فكانت بتراقب التغيير ده بتوتر واضح، لأن السيطرة اللي بنتها بالخوف بدأت تقع، وفي ليلة بعد خناقة طويلة بيني وبينها اعترفت وهي منهارة
إنها كانت خايفة ليلي تحب أي حد غيرها، وإن خوفها من الوحدة خلاها تزرع جوه بنتها فكرة إن العالم كله بيخذل، لكنها ماخدتش بالها إنها كانت بتكسر روح طفلة صغيرة يوم ورا يوم، بعدها بشهور طويلة حصل اللقاء اللي غير كل حاجة، لما شافت ليلي أبوها الحقيقي لأول مرة من سنين، كان راجل هادي وشعره شايب شوية وعينيه مليانة خوف ولهفة، وليلي استخبت ورايا في الأول، لكنه ركع قدامها وقال بصوت مكسور أنا عمري ما نسيتك، والبنت فضلت تبص له وقت طويل قبل ما تسأله أنت مشيت ليه؟، الراجل دموعه نزلت وقال غصب عني يا روحي، وفي اللحظة دي حسيت إن سنين طويلة من الوجع بدأت تتحرك أخيرًا ناحية الشفا، ويمكن ماكانش ينفع نرجع الزمن ولا نمسح الخوف كله، لكن على الأقل ليلي أخيرًا فهمت الحقيقة، فهمت إنها ماكنتش سبب خراب أي حد، وإن الناس اللي بتحب بجد ممكن تتوه وتغلط وتضعف، لكن الحب الحقيقي عمره ما بيختفي، أما أنا فكنت واقف وقتها أبص للبنت اللي دخلت حياتي وهي خايفة من العالم كله، وأدركت إن بعض الأطفال مش بيحتاجوا بطل خارق، هم بس محتاجين حد يسمعهم بصدق ويصدق دموعهم قبل ما تضيع روحهم في السكوت.
بعد الليلة اللي ليلي شافت فيها أبوها الحقيقي
لأول مرة من سنين، كنت فاكر إن أصعب مرحلة عدّت، وإن البنت أخيرًا هتبدأ تعيش طفولتها اللي اتسرقت منها، لكن الحقيقة إن الجروح القديمة لما بتتفك مرة واحدة بتطلع وجع أكبر بكتير من اللي الناس تتخيله، لأن ليلي بعد المقابلة دي بقت متلخبطة بشكل موجع، ساعات تصحى فرحانة وتتكلم عن باباها الحقيقي وتحكيلي قد إيه كان بيضحك وهو بيحاول يفتكر معاها ألعاب زمان، وساعات تانية تستخبى في أوضتها بالساعات وتسألني بصوت مخنوق هو لو كان بيحبني فعلًا ليه ماجاش خدني؟، وكنت كل مرة أحاول أفهمها إن الدنيا مش أبيض وأسود، وإن الكبار ساعات بيتغلبوا من ظروفهم وغلطاتهم، لكن الطفل قلبه أبسط من إنه يفهم التعقيد ده كله بسهولة، وفضلت أيام كاملة أحاول أعوضها عن سنين الخوف اللي عاشتها، بقيت أوصلها المدرسة بنفسي حتى لو خارج من شيفت 12 ساعة، وأقف أراقبها من بعيد وهي داخلة الفصل، كنت بلاحظ إنها كل يوم تمشي بخطوة أهدى شوية، وتبص حواليها أقل خوفًا، والمدرسة نفسها بدأت تكلمني عن فرق واضح فيها، المدرسات بيقولوا إنها بقت ترفع إيدها وتشارك بعد ما كانت طول الوقت قاعدة ساكتة وكأنها مش موجودة، وده كان يوجعني ويفرحني في نفس الوقت، لأن فكرة
إن طفلة صغيرة كانت عايشة مقتنعة إن صوتها مالوش قيمة كانت كفيلة تكسر أي حد عنده قلب، أما مروة فكانت علاقتنا بتنهار يوم بعد يوم، البيت بقى مليان توتر، وكل كلمة بينا تبان عادية قدام الناس لكن تحتها نار مستخبية، كانت تحاول ترجع تتحكم في ليلي بالكلام القديم، مرة تقول لها متتعشميش في حد أوي، ومرة تانية كل الناس بتتغير، لكن البنت بدأت تبص لها بنظرات مختلفة، نظرات طفلة بدأت تفهم إن الخوف اللي اتزرع جواها عمره ما كان حقيقتها، وفي يوم رجعت من الشغل بدري ولقيت ليلي قاعدة على الأرض وسط أوضتها، حوالينها عشرات الورق المرسوم، كل رسمة فيها بيت، وكل بيت فيه شخص ناقص، مرة الأب مش موجود، مرة الأم، مرة البنت نفسها هي اللي مختفية، قعدت جنبها وسألتها بقلق بترسمي إيه يا ليلي؟، قالت وهي بتلون الشمس بأصابعها الصغيرة بحاول أرسم بيت محدش يسيب فيه حد، الجملة دخلت في قلبي زي السكينة، لأن طفل في سنها المفروض يشغل باله بالألعاب والحواديت، مش بفكرة إن الناس ممكن تسيب بعضها في أي لحظة، ومن يومها بدأت أخدها معايا أماكن أكتر، ننزل نتمشى على النيل، نجيب آيس كريم، ندخل مكتبات الأطفال، كنت عايز أوريها إن الحياة فيها أمان
أكتر