بعتوا لها دعوة الفرح عشان كانوا مستنيينها تدخل القاعة لوحدها، مكسورة الجناح والدمعة في عينيها، ودي الحقيقة اللي مكنش حد فيهم قادر ينطقها بصراحة، عيلة الأشرف، أكبر عيلة في تجارة السكر وأغنى ناس في الزمالك، كانوا دايمًا بيعرفوا يخبوا قسوتهم ورا الإتيكيت والبرستيج والكلام الناعم، حتى إهانتهم كانت متغلفة بدهب، ولما إيفيلين فتحت الظرف البيج المدهب اللي وصلها على مكتب شركتها، فهمت الرسالة من غير ما تحتاج تقرا كل كلمة، نديم الأشرف، طليقها، بيتجوز شيرهان، البنت اللي أمه كانت بتحلم بيها من زمان، بنت عيلة كبيرة، متعلمة، أنيقة، بتعرف تتصور كويس جنب رجال الأعمال والسياسيين، يعني باختصار الزوجة اللي تليق باسم الأشرف قدام الناس، وكانوا متأكدين إن إيفيلين أول ما تشوف الدعوة هتنهار، وهتفتكر اليوم اللي خرجت فيه من القصر وهي حامل ومكسورة ومحدش دافع عنها، كانوا متخيلين إنها لسه نفس البنت الضعيفة اللي وقفت قدام فيكتوريا الأشرف وهي بتقول لها ببرود قاتل إنتي عمرك ما كنتي من مستوانا، لكن اللي محدش فيهم عرفه إن السنين اللي فاتت غيرت كل حاجة، إيفيلين مبقتش البنت اللي بتعيط بسهولة، ولا الست اللي مستنية حد ينقذها، لأنها يوم ما خرجت من بيت الأشرف كانت شايلة جواها تلات
أرواح صغيرة، تلاتة توائم، وكانت كل ليلة بتنام وهي مرعوبة عليهم، مرعوبة إنهم يكبروا وسط ناس شايفين إن الفلوس أهم من الرحمة، وإن الاسم أهم من الإنسان، وعشان كده اختفت، غيرت رقمها، غيرت بيتها، حتى اسمها رجعته لاسم عيلتها القديمة، وابتدت من الصفر، مكتب صغير جدًا فوق محل أدوات كهربائية، مكتب حر الصيف فيه يخنق والشتا يدخله من الشباك المكسور، وكانت وهي شغالة تسمع عياط عيالها التلاتة جنبها، مرة واحد يسخن، ومرة التاني يقع، ومرة التالت يعيط لأنه جعان، وكانت لوحدها تمامًا، لا أم نديم سألت، ولا نديم نفسه حاول يدور عليها بجد، لأنه وقتها اختار راحته واختار أمه واختار اسمه الكبير على حساب مراته وعياله، وكل ما كانت الدنيا تضيق عليها كانت تبص للتلاتة وتقول لنفسها إنها لازم تكمل، ومرت الأيام والسنين، وإيفيلين اشتغلت ليل نهار، كانت بتسوق لبراندات صغيرة، تعمل حملات دعاية، وتلف على شركات محدش يعرفها، لحد ما اسمها بدأ يكبر واحدة واحدة، ومع الوقت بقت شركتها من أنجح شركات التسويق، وبقى معاها فلوس تكفي إنها تعيش مرتاحة، لكن عمرها ما نسيت اللي حصل، وعمرها ما زرعت جوا ولادها كره لأبوهم، بالعكس، كانت دايمًا تقول لهم إن أبوهم راجل محترم ومسافر بعيد، لأنها مكنتش عايزة
قلوبهم تتملي مرارة وهم صغيرين، وفي يوم وهم بيلعبوا على السجادة في مكتبها، لمح ياسين الظرف المدهب وسألها ببراءة هو إحنا رايحين حفلة يا ماما؟ فبصت لهم طويل، وشافت فيهم ملامح نديم واضحة بشكل يخوف، نفس العيون الرمادي، نفس الشعر الأسود، نفس النظرة الحادة، وحست إن اللحظة اللي كانت هربانة منها سنين وصلت أخيرًا، فقالت بابتسامة هادية أيوة يا حبيبي، رايحين حفلة كبيرة أوي، ويوم الفرح جه، والقاعة كانت متزينة بشكل مبالغ فيه، ورد أبيض، نجف كريستال، موسيقى هادية، والناس ماشية ببدل وفساتين بملايين، وفيكتوريا الأشرف واقفة تستقبل المعازيم بابتسامتها المتصنعة، وكل شوية تبص على الباب كأنها مستنية دخول إيفيلين المكسورة عشان تشبع إحساس الانتصار اللي جواها، ونديم كان واقف جنب العروسة، شكله أنيق وكامل من بره، لكن جواه فراغ كبير محدش شايفه، لأنه رغم السنين وكل العلاقات اللي دخلها بعد طلاقه، عمره ما حس بالراحة، وكان كل ما يفتكر آخر مرة شاف فيها إيفيلين وهي خارجة من البيت بعينيها المليانة وجع يحس إن فيه حاجة انكسرت جواه، وفجأة باب القاعة اتفتح، وكل الناس بصت بشكل تلقائي، وإيفيلين دخلت، لكن مش لوحدها، كانت ماشية بثقة غريبة، لابسة فستان أسود بسيط لكنه أنيق جدًا، وشعرها
مرفوع بهدوء، ووشها فيه قوة خلت ناس كتير متعرفهاش من أول نظرة، لكن الصدمة الحقيقية مكانتش فيها هي، الصدمة كانت في التلات أطفال اللي ماسكين إيدها، لأن القاعة كلها اتجمدت حرفيًا أول ما الأطفال دخلوا النور، نفس ملامح نديم بالظبط، لدرجة إن واحدة من المعازيم شهقت بصوت عالي، وواحد من رجال الأعمال قال بدهشة دول نسخة منه!، وفيكتوريا نفسها وشها فقد لونه فجأة، ونديم حس كأن الأرض اتحركت من تحته، عينه فضلت معلقة بالأطفال، وياسين بص له بنفس النظرة الحادة اللي كان بيبص بيها وهو صغير، ويوسف كان واقف ثابت بشكل غريب، ومازن ماسك لعبة صغيرة وبيبص حواليه بفضول، وكل واحد فيهم كان دليل حي على الحقيقة اللي محدش عرفها، القاعة كلها بقت همسات، والعروسة نفسها بدأت تبص لنديم بقلق، لكن نديم مكانش شايف أي حد غيرهم، حس إن قلبه بيضرب بعنف، وقرب خطوة ببطء، وعينه على إيفيلين اللي وقفت قدامه بكل هدوء، لا مكسورة ولا مهزوزة، فقال بصوت مخنوق دول ولادي؟ فسكتت ثواني وبعدين قالت بهدوء قاتل أيوة يا نديم ولادك، وفي اللحظة دي كأن الدنيا كلها وقفت، وفيكتوريا قربت بسرعة وهي بتحاول تسيطر على الموقف وقالت بتوتر إيفيلين، مش وقته الكلام ده، لكن ياسين بص لها وسأل ببراءة إنتي تبقي مين؟ فاتجمدت