للحظة، بينما إيفيلين ردت بهدوء دي جدتكم، والناس كلها بدأت تبص لبعض، لأن الحقيقة خرجت للنور قدام الكل، ونديم نزل على ركبته فجأة قدام الأطفال وهو بيحاول يستوعب إن عنده تلات أولاد عاشوا أربع سنين من غير ما يعرف عنهم حاجة، وكانت عينه مليانة ندم بشكل عمره ما حسه قبل كده، ومازن قرب منه بحذر وقال إنت بابا؟ فساعتها نديم مقدرش يمسك دموعه، وحضنه بسرعة وهو بيبكي لأول مرة قدام الناس كلها، والعروسة شيرهان كانت واقفة مصدومة، لأنها فهمت إن اللي قدامها مش مجرد مفاجأة، دي حياة كاملة كانت مستخبية، وفيكتوريا حاولت تنهي اللي بيحصل وتاخد نديم بعيد، لكنه وقف لأول مرة قدام أمه وقال بصوت عالي قدام الكل كفاية كفاية تحكم في حياتي، والقاعة سكتت تمامًا، لأن محدش عمره شاف نديم يرد على أمه، وبص لإيفيلين وقال بندم أنا ضيعتكم، لكنها ردت بثبات لا يا نديم إنت اللي ضيعت نفسك، والكلمة وقعت عليه أقسى من أي إهانة، وبعد لحظات طويلة من الصمت، خلع دبلته قدام الناس كلها، والعروسة بكت وهي تجري من القاعة، والمعازيم بقوا واقفين مش فاهمين إيه اللي حصل، أما نديم فكان كل همه يبص لأولاده، يلمس وشوشهم، يسمع صوتهم، وكأنه بيحاول يعوض أربع
سنين ضاعوا منه، لكن إيفيلين مكانتش جاية تنتقم ولا تخرب الفرح، هي كانت جاية ترجع الحقيقة لأصحابها، وجاية تثبت لنفسها قبل أي حد إنها عمرها ما كانت الست الضعيفة اللي طردوها زمان، ولما لقت إن الرسالة وصلت، مسكت إيد ولادها وقالت بهدوء يلا يا حبايبي، لكن قبل ما تمشي، ياسين بص لنديم وقاله إحنا هنشوفك تاني؟ وساعتها قلب نديم اتقطع فعلًا، لأنه أدرك إن الولد الصغير ده بيسأله السؤال اللي هو نفسه مش عارف إجابته، فبص لإيفيلين برجاء لأول مرة في حياته، لكنها سابته واقف وسط القاعة المليانة ناس، لأول مرة بلا سلطة، بلا نفوذ، بلا صورة كاملة، مجرد أب اكتشف متأخر جدًا إن أغلى حاجة في عمره كانت بعيدة عنه، وخرجت إيفيلين من القاعة رافعة راسها، والبحر قدامها هادي، والتلات أطفال بيجروا حواليها ويضحكوا، وفي اللحظة دي بالذات، عرفت إنها انتصرت أخيرًا، مش لأنه رجعلها، لكن لأنها قدرت تقوم لوحدها، وتحمي ولادها، وتوصل للي هي فيه من غير ما تكسرها قسوة حد، أما عيلة الأشرف، فالليلة اللي كانوا مستنيينها تبقى ليلة انتصارهم، اتحولت لليلة عمرهم ما هينسوها طول حياتهم.
بعد اللي حصل في الفرح، الخبر انتشر في المجتمع أسرع من النار في
الهشيم، محدش كان بيتكلم عن فستان العروسة ولا عن ديكور القاعة ولا حتى عن رجال الأعمال اللي حضروا، كل الكلام كان عن اللحظة اللي وقف فيها نديم الأشرف وسط القاعة وهو بيبكي قدام تلات أطفال طالعين نسخة منه، وعن الست اللي رجعت بعد أربع سنين أقوى من أي وقت فات، وفي أقل من يوم كانت صور الفرح متسربة على صفحات السوشيال ميديا، صور لإيفيلين وهي داخلة ماسكة إيد ياسين ويوسف ومازن، وصور لنديم وهو راكع قدامهم، والناس انقسمت، ناس شافت إن اللي عملته إيفيلين قاسي، وناس قالت إن ده أقل حقها بعد اللي شافته، لكن الشيء الوحيد اللي الكل اتفق عليه إن عيلة الأشرف لأول مرة شكلها اتكسر قدام الناس، وفي قصر الأشرف كانت الأجواء أسوأ بكتير من أي أزمة مالية عدت عليهم، فيكتوريا كانت ماشية في البيت كأنها فقدت السيطرة على الدنيا كلها، وكل ما تفتكر نظرات الناس لها في الفرح كانت تحس بإهانة عمرها ما داقتها، لأنها طول عمرها متعودة تتحكم في كل حاجة، في اختيارات ابنها، وفي شكل حياته، وحتى في مين يستحق يدخل العيلة ومين لأ، لكن اللي حصل قلب الموازين، ونديم من بعد الفرح قفل على نفسه أوضته يومين كاملين، لا بيرد على مكالمات ولا بيتكلم
مع حد، وكل شوية يفتح الصور اللي اتصورت لأولاده من بعيد ويبص فيها كأنه بيعوض سنين الحرمان، كان يوقف الصورة عند وش ياسين ويتأمل نفس النظرة اللي كانت عنده وهو صغير، ويرجع يبص لصورة يوسف وهو واقف بهدوء، ويضحك لأول مرة من قلبه لما يشوف مازن وهو بيطلع لسانه للمصور، وكل دقيقة كانت بتعد عليه كانت بتخليه يكره نفسه أكتر، لأنه أدرك إنه ضيع أربع سنين من عمر ولاده بإيده، وفي الناحية التانية كانت إيفيلين راجعة بيتها بعد الفرح وهي حاسة براحة غريبة، كأن حمل تقيل كان فوق قلبها واتشال، لكنها كانت خايفة في نفس الوقت، خايفة من اللي جاي، لأن ظهور الأولاد بالشكل ده معناه إن حياة هادية بنتها بالعافية ممكن تتقلب فجأة، وده فعلًا اللي حصل، تاني يوم الصحافة بدأت تتكلم عن ورثة الأشرف السريين، والبرامج بدأت تحلل وتحكي، وفي خلال أسبوع كان اسم الأطفال بقى معروف في كل حتة، وده ضايق إيفيلين جدًا لأنها عمرها ما كانت عايزة ولادها يبقوا مادة للناس، وفي ليلة وهي قاعدة تشتغل بعد ما الأولاد ناموا، سمعت خبط على الباب، ولما فتحت لقت نديم واقف قدامها لأول مرة من أربع سنين، كان شكله مختلف، تعبان، وعينيه فيها وجع واضح، فضل ساكت ثواني