ظنوا أنها ست مكسوره

لمحة نيوز

طويلة قبل ما يقول بصوت واطي ممكن أشوفهم؟، وإيفيلين فضلت باصة له من غير رد، لأنه كان بالنسبالها شخص كسرها في وقت كانت محتاجة فيه سند، لكنها في نفس اللحظة شافت في عينه حاجة عمرها ما شافتها قبل كده، الندم الحقيقي، ففتحت الباب من غير كلام، دخل نديم البيت ببطء، وكل تفصيلة فيه كانت غريبة عليه، ألعاب أطفال في كل مكان، رسومات على الحيطان، وصور لإيفيلين وهي حاضنة ولادها في كل زاوية، حس وقتها إنه غريب عن حياة كان المفروض تكون حياته، وقبل ما يسأل عنهم، خرج مازن من الأوضة وهو مفزوع من النوم، أول ما شاف نديم وقف يبص له بفضول، ونديم حس قلبه وقف، لأنه لأول مرة يشوف ابنه عن قرب فعلًا، ركع قدامه بهدوء وقال فاكرني؟، فهز مازن كتفه وقال ببراءة أنت بابا اللي كان في الفرح؟، وابتسم نديم وسط دموعه وقال أيوة يا حبيبي، وبعدها بثواني خرج ياسين ويوسف، والتلاتة فضلوا يبصوا له كأنهم بيحاولوا يفهموا مين الراجل ده وليه مامتهم ساكتة بالشكل ده، وقضى نديم الليلة كلها معاهم، يسمع كلامهم، يضحك على أسئلتهم، ويتعلم تفاصيل صغيرة عنهم، عرف إن ياسين بيحب الفضاء، وإن يوسف بيعشق الرسم، وإن
مازن بيخاف من الضلمة ومبينامش غير لو النور مفتوح، وكل معلومة كانت بتوجعه لأنه مكنش موجود وهو بيكبروا، ولما جه يمشي قرب من إيفيلين وقال بصوت مكسور أنا عارف إني ماستحقش فرصة بس عايز أحاول، فسكتت طويل وبعدين قالت الموضوع مش بيني وبينك يا نديم فيه تلات أطفال لازم مايتكسروش، ومن اليوم ده بدأ ييجي كل يوم تقريبًا، في الأول الأولاد كانوا مترددين، لكن الأطفال بطبعهم قلوبهم صافية، ومع الوقت بقوا يستنوه، يستنوا لعبه معاهم، وحكاياته قبل النوم، وحتى إيفيلين رغم مقاومتها بدأت تشوف جانب عمرها ما شافته منه، جانب الأب الحقيقي، لكن الدنيا مكانتش هتسيبهم بسهولة، لأن فيكتوريا لما عرفت إن نديم بيروح لإيفيلين باستمرار ثارت بشكل جنوني، وراحت له الشركة وصرخت فيه قدام الموظفين إنت هتضيع اسمنا عشان الست دي؟، لكنه للمرة الأولى وقف قدامها بثبات وقال الست دي أم ولادي، والكلمة وقعت على فيكتوريا كأنها صفعة، لأنها فهمت إن سيطرتها على ابنها بدأت تنهار، ومن وقتها بدأت حرب جديدة، حاولت تستخدم المحامين عشان تاخد الأطفال لعيلة الأشرف، وحاولت تضغط على إيفيلين بكل الطرق، لكن إيفيلين المرة
دي مكانتش البنت الضعيفة القديمة، كانت مستعدة لأي معركة، وفي وسط الصراع ده، قرب نديم أكتر لأولاده، وبقى يحضر حفلات المدرسة، وياخدهم النادي، ويتعلم يبقى أب حقيقي، وفي يوم كان واقف بيتفرج عليهم وهما بيلعبوا كورة، فبصت له إيفيلين وسألته بهدوء إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟، فسكت ثواني وقال إني خفت يومها خوفت أخسر أمي واسمي ومكاني فخسرتكوا كلكوا، وكانت دي أول مرة يعترف بالحقيقة كاملة، ومع الوقت بدأت الجروح القديمة تهدى شوية، مش لأنها اتنسيت، لكن لأن وجود الأطفال بينهم خلق نوع جديد من العلاقة، علاقة مبنية على النضج مش الحب الأعمى القديم، لكن الحياة كان لسه مخبية مفاجأة أخيرة، لأن فيكتوريا في يوم تعبت فجأة واتنقلت المستشفى، وكل العيلة اتجمعت، وحتى نديم راح بسرعة، لكن المفاجأة كانت لما طلبت تشوف إيفيلين، الكل اتصدم، وإيفيلين نفسها كانت مترددة، لكنها راحت، ولما دخلت أوضة المستشفى لقت فيكتوريا ضعيفة لأول مرة، الست الحديدية اللي كانت دايمًا مرعبة بقت مجرد أم عجوز تعبانة، بصتلها طويل وقالت بصوت مبحوح أنا ظلمتك، وإيفيلين اتجمدت مكانها، لأنها عمرها ما تخيلت تسمع الجملة
دي منها، وكملت فيكتوريا وهي بتبكي كنت فاكرة إني بحمي ابني بس أنا دمرت حياته، ولأول مرة شافت إيفيلين الندم الحقيقي في عين الست اللي كانت سبب أكبر وجع في حياتها، وبعد أيام خرجت فيكتوريا من المستشفى، لكن حاجة فيها اتغيرت، بدأت تقرب من الأطفال، وياسين بالتدريج بقى يناديها تيتا، ويوسف يرسم لها رسومات، وحتى مازن اللي كان بيستخبى ورا إيفيلين في الأول بقى يجري عليها يحكيلها يومه، والسنين بدأت تصلح اللي اتكسر، خطوة خطوة، وفي يوم عيد ميلاد التوأم الخامس، كان البيت مليان ضحك وزينة، وإيفيلين واقفة تبص عليهم من بعيد، نديم بيلعب مع الأولاد على الأرض، وفيكتوريا قاعدة تضحك لأول مرة من قلبها، وفجأة حسّت إن كل التعب اللي عاشته مكانش رايح هدر، لأن القوة الحقيقية مش إنك تنتقم، القوة إنك تقوم بعد ما الدنيا تكسرك، وتبني حياة كاملة بإيديك، وتفضل محافظ على قلبك من القسوة، ولما نديم قرب منها في آخر الليلة وقال بهدوء ممكن نبدأ من جديد؟، بصت له طويل، وبصت لولادها اللي بيضحكوا، وابتسمت لأول مرة من سنين ابتسامة فيها سلام حقيقي، لأنها أخيرًا مبقتش خايفة من الماضي ولا من المستقبل.

تم نسخ الرابط