سر مرات أبويا

لمحة نيوز

أنا فاكرة الليلة دي كأنها محفورة بمسمار سخن جوه دماغي إيديا كانت بتترعش وأنا ماسكة الجواب، والكلمات بتجري قدامي ومش قادرة ألحقها. قعدت فوق الصندرة وسط التراب والكراكيب، حاسة إن عمري كله بيتفكك قدامي زي سبحة اتقطع خيطها. خالتي؟ ميرفت تبقى خالتي؟ يعني الست اللي نمت في حضنها سنين، اللي كنت باستخبى وراها لما أخاف، اللي حضنتني يوم نتيجة الثانوية وعيطت أكتر مني دي كانت طول الوقت من دمي؟ طب ليه خبوا؟ وليه أبويا كتب إن موته مش قضاء وقدر؟! فضلت أقرأ وأنا نفسي بيتقطع، لحد ما لقيت آخر سطر في الصفحة الأولى لو وصلتي لحد هنا، يبقى لازم تعرفي الحقيقة كلها بس أوعي تكرهي ميرفت، لأنها دفعت تمن الوعد أكتر من أي حد فينا. حسيت إن قلبي اتقبض، وقلبت الصفحة بسرعة كأني بخاف الكلام يهرب.
أبويا كان كاتب بخطه المرتب اللي أعرفه أمك مارينا كانت أخت ميرفت الكبيرة، وكانت بتحبها أكتر من نفسها. ولما حملت فيكي، اكتشفنا إن عندها مشكلة خطيرة في القلب. الدكتور قال الحمل ممكن يقتلها، لكنها رفضت تنزلك. كانت تقول حتى لو هموت، عايزة أشوف بنتي ولو يوم واحد. وأنا بقرأ حسيت الدنيا بتلف بيا. أمي ماتت عشاني فعلاً الجملة اللي كان بيقولها أبويا

طول عمره طلعت حقيقة كاملة مش مجرد مواساة. كملت وأنا دموعي مغرقة الورق. قبل الولادة بأسبوع، مارينا طلبت من ميرفت وعد. قالت لها لو جرالي حاجة، متسبوش بنتي تحس إنها خسرت أمها. خديها في حضنك وخليها تناديكي يا أمي لو حبت، ومتقولوش الحقيقة إلا لو هي سألت بنفسها. وفضلت السطور تحكي عنهم عن التلاتة اللي كانوا عيلة واحدة. عن ميرفت اللي رفضت الجواز سنين عشان كانت شايفة أختها كل الدنيا. وعن أبويا اللي بعد موت أمي عاش محطم، وميرفت كانت بتيجي تساعده في تربيتي، لحد ما الناس بدأت تتكلم، والجيران يرموا كلام مسموم، فقرروا يتجوزوا عشان أحافظ أنا على صورتي وسط الناس.
بس اللي خلاني أحس إن روحي خرجت من جسمي، الصفحة اللي بعدها. أنا شاكك إن في حد لعب في فرامل العربية يا فوزية. شهقت بصوت عالي وغصبت نفسي أكتمه. كملت من يوم ما أبوكي الكبير مات وسبلي الورشة والبيت، وأخويا شوقي مش ساكت. المشاكل بينا كترت، وهو شايف إن وجودك إنتي وميرفت ضيع عليه الورث. إيدي سقعت. اسم شوقي ده أنا سمعته مرة واحدة بس في حياتي يوم العزا. عمي شوقي، اللي دخل البيت ساعتها وبص لميرفت بكره مرعب، وبعدها اختفى من حياتنا تماماً. أبويا كتب إنه سمع تهديدات
مبطنة، وإن العربية دخلت التصليح قبل الحادث بيومين عند ميكانيكي تبع شوقي. لو جرالي حاجة، دوري ورا عمك. آخر سطر كان متلطخ كأن نقطة مية وقعت عليه سامحيني إني ممكن أسيبك بدري.
مش فاكرة نزلت من الصندرة إزاي. رجليا كانت بتخبط في السلم وأنا تايهة. دخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت للصبح قاعدة على الأرض، الصورة في حضني، وصوت ميرفت وهي بتصحيني زمان للمدرسة بيرن في ودني. كنت عايزة أكرهها عشان خبت عليا الحقيقة، لكن كل ذكرى بينا كانت بتمنعني. أول مرة جالي فيها دور برد وسهرت جنبي لحد الفجر يوم الدورة جتلي لأول مرة واتكسفت أقولها ففهمت لوحدها يوم وقعت في الكلية وهي جريت حافية من البيت للمستشفى كل ده كان كدب؟ لا الحب مبيعرفش يمثل بالشكل ده.
الصبح، كنت قاعدة على السفرة ووشي أصفر. ميرفت دخلت المطبخ تبصلي، وأول ما عينها جت في عيني عرفت. الست دي كانت حافظاني أكتر من نفسي. إيدها ارتعشت وهي بتحط الجبنة في الطبق وقالت بصوت مبحوح طلعتي الصندرة. مكنش سؤال. كان اعتراف. مقدرتش أرد. قومت فجأة وطلعت الجواب من ورا ضهري وحطيته قدامها. أول ما شافته، وشها ابيضّ كأن الدم هرب منه. قعدت على الكرسي بالعافية، وحطت إيدها على قلبها. وأنا
لأول مرة في حياتي معرفش أناديها بإيه. لا عارفة أقول يا أمي ولا قادرة أقول يا خالتي. قلت بصوت مكسور ليه؟. وساعتها ميرفت انهارت.
أول مرة أشوفها بتعيط بالشكل ده. كانت ست قوية طول عمرها، حتى يوم موت أبويا كانت واقفة على رجليها. لكن النهارده كانت بتنهار قدامي كأن السنين كلها وقعت فوق كتافها مرة واحدة. قالت وهي بتشهق عشان كنت خايفة أخسرك. قالت إن أمي وهي بتموت كانت ماسكة إيدها وبتترجاها تاخد بالها مني. وإنها لما اتجوزت أبويا مكانتش بتحاول تاخد مكان أختها، كانت بتحاول تنقذ طفلة صغيرة من الوحدة. قالت إنها كانت كل ليلة تقف قدام سريري وتخاف اليوم اللي أعرف فيه الحقيقة وأبعد عنها. فضلت تبكي وتقول عمري ما كنت عايزة أكدب عليكي بس كنت خايفة تبصيلي وتقولي إنتي مش أمي. ساعتها أنا اللي عيطت. عيطت بعنف لدرجة نفسي اتقطع. وروحت حضنتها. يمكن لأول مرة وأنا واعية تماماً بكل حاجة. حضن مختلف حضن بنت بتسامح، وبتفهم، وبتكتشف إن الحب أقوى من الدم ساعات، وأوقات بيكون هو الدم الحقيقي.
بس الجواب مكنش سايبني. كلام أبويا عن الحادث كان عامل زي شوكة في زوري. وبعد أسبوع كامل من التفكير، قررت أسأل. لما جبت سيرة عمي شوقي، ملامح ميرفت
تم نسخ الرابط