سر مرات أبويا

لمحة نيوز

اتغيرت فوراً. قالت بحزم اقفلي الموضوع ده. لكني رفضت. لأول مرة أتمرد عليها. قلت لها لو أبويا مات مقتول، لازم أعرف. وقتها عم صلاح، اللي كان ساكت طول الوقت، رفع عينه وقال بهدوء غريب يبقى جه وقت تعرفي كل حاجة.
عم صلاح حكى إن بعد موت أبويا، شوقي حاول ياخد البيت بالقانون، وقال إن ميرفت ملهاش حق في حاجة. لكن فجأة سكت واختفى. السبب إن ميرفت كان معاها ورق وإثباتات تخليه يدخل السجن لو قرب مننا. سألتها بلهفة إيه هي؟. قامت من مكانها من غير كلام، ودخلت أوضتها، ورجعت بصندوق حديد صغير. فتحته، وطلعت منه شريط كاسيت قديم. قالت أبوكي سجله قبل ما يموت بأسبوع. شغلناه بصعوبة، وبعد تشويش طويل، سمعت صوت أبويا. تعبان مكسور لكنه واضح. كان بيقول إنه اكتشف إن شوقي مزور إمضاءات عشان يبيع جزء من أرض جدي. وإنه هدده لما واجهه. وفجأة، في آخر التسجيل، سمعنا صوت خناقة وصوت شوقي بنفسه وهو بيقول قسماً بالله يا جلال لو ما سكتش هتندم. جسمي كله قشعر.
عرفت بعدها إن ميرفت حاولت تفتح تحقيق وقت الحادث، لكن القضية اتقفلت بسرعة. مفيش دليل مباشر. والميكانيكي اختفى بعدها بشهر. خافت عليا، فسكتت. شالت الحمل لوحدها وربتني بعيد عن القرف ده كله.
لكني مقدرتش أنسى. الموضوع بقى هوس. فضلت أدور ورا أي خيط، لحد ما وصلت لواحد كان شغال مع عمي زمان. راجل كبير اسمه عم نبيه، أول ما عرف اسمي اتوتر وقال أبوك مات مظلوم. حكى إن شوقي كان مدي فلوس لميكانيكي يبوظ الفرامل، وإن الميكانيكي اعترف وهو سكران بعدها بكام شهر. لكن قبل ما حد يبلغ، الميكانيكي مات في خناقة غامضة.
رجعت البيت وأنا مرعوبة. الدنيا كانت أوسع من قدرتي على الاحتمال. قعدت قدام ميرفت أبصلها. الست دي شالت كل ده جواها عشرين سنة؟! شالت موت أختها، وجوز أختها، والخوف عليا، وكملت عيشة كأنها جبل. وقتها بس فهمت ليه كان في حزن ساكن عينيها طول الوقت حتى وهي بتضحك.
بعدها بأيام، حصل اللي محدش توقعه. باب البيت خبط بالليل، ولما فتحت لقيت راجل شعره أبيض ووشه مهلوك واقف بالعكاز. اتعرفت عليه فوراً من الصور. عمي شوقي. قلبي دق بعنف. ميرفت أول ما شافته اترعبت كأنها شافت شبح. لكنه مكانش نفس الراجل. كان مكسور عجوز وعينه مليانة خوف. قال بصوت متقطع أنا جاي أموت وأنضف ضميري. دخل وقعد، وفضل ساكت شوية، ثم قال الجملة اللي قلبت الدنيا أنا ماقتلتش جلال بس أنا السبب في موته.
اعترف إنه فعلاً هدد أبويا، وإنه كان عايز يخوفه
بس. قال إنه طلب من الميكانيكي يعلمه الأدب ويعطله يومين، لكنه مكنش يعرف إن الفرامل هتفلت بالطريقة دي. ولما عرف بالحادثة، خاف واتدفن في رعبه سنين. كان بيشرب، ويهرب، ويتنقل من بلد لبلد. وقال إن كل يوم كان يشوف وش أبويا في المنام. ميرفت كانت بتبصله بكره عمري ما شفت زيه. وأنا كنت متجمدة. لا قادرة أصرخ، ولا أبكي. سألته ليه دلوقتي؟. قال إن عنده سرطان، وإنه خلاص بيموت، ومبقاش قادر يشيل الذنب.
بعد ما مشي، البيت فضل ساكت ساعات. وبعدها، ميرفت دخلت أوضتها وقفلت الباب. سمعتها بتعيط لأول مرة من سنين. دخلتلها، لقيتها ماسكة صورة أمي مارينا. قالت وهي بتبص للصورة سامحيني معرفتش أحافظ عليه. قعدت جنبها، وحطيت راسي على كتفها. وساعتها، من غير تفكير، قلت إنتي أمي. رفعت وشها تبصلي، كأنها مش مصدقة. قلتها تاني وأنا بعيط إنتي أمي يا ميرفت حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده. حضنتني بقوة، وفضلنا نعيط سوا لحد الفجر.
بعد شهور، عمي شوقي مات. وميرفت أخدتني لأول مرة نزور قبر أمي الحقيقية. كانت مدفونة في مدافن هادية جنب شجرة ياسمين. وقفت قدام التربة وأنا حاسة إني بشوفها لأول مرة بجد. حطيت وردة وقلت بصوت مرتعش متقلقيش أنا كنت طول الوقت
في حضن أم. وميرفت وقفت جنبي ماسكة إيدي، نفس الإيد اللي مسكتها وأنا عندي أربع سنين وخايفة من الضلمة.
وفي طريق الرجوع، فهمت الحقيقة اللي خبتها الأيام كلها إن الأم مش بس اللي بتولد. الأم هي اللي تسهر، وتخاف، وتضحي، وتشيل وجعك جواها سنين من غير ما تشتكي. أمي مارينا ادتني الحياة وميرفت ادتني العمر كله.
بعد زيارة قبر أمي مارينا، حياتي كان المفروض تهدى بس الغريب إن الهدوء ساعات بيكون أخطر من العاصفة نفسها. رجعنا البيت يومها وميرفت ساكتة طول الطريق، باصة من شباك العربية كأنها شايفة عمر كامل بيجري قدامها. وأنا كنت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها من غير كلام، حاسة لأول مرة إننا الاتنين مش بس أم وبنت إحنا ناجيين من حرب قديمة محدش يعرف عنها حاجة.
الأيام عدت، بس حاجة جوايا اتغيرت. بقيت أبص لميرفت بشكل مختلف. بقيت ألاحظ التعب اللي مستخبي تحت عينيها، الرعشة الصغيرة اللي في صوابعها وهي بتصب الشاي، الشرود اللي يسرقها وهي بتبص لصورة أبويا المعلقة في الصالة. الست دي كانت شايلة جبل فوق قلبها عشرين سنة، وأنا عمري ما حسيت. بقيت أصحى بدري أعمل لها الفطار، أصر عليها ترتاح، وأحضنها فجأة من غير سبب. كانت كل مرة تبصلي باستغراب
وتضحك إيه
تم نسخ الرابط