سر مرات أبويا
يا بنتي؟ هتدلعيني بعد العمر ده كله؟ فأرد وأنا بغمز استحملي بقى طلع عندك بنت لزقة.
لكن رغم كل الدفا اللي رجع بينا، كان في سؤال واحد بينام ويصحى جوا دماغي ليه أهل أبويا اختفوا تماماً؟ ليه جدتي مقربتش مني بعد العزا؟ وليه محدش حاول حتى يزورني؟ الموضوع كان بيقرصني كل يوم أكتر من اللي قبله. وفي ليلة، وأنا بساعد ميرفت ترتب الدولاب، لقيت ألبوم صور قديم مستخبي تحت الملايات. فتحته، ولقيت صور لأعياد ميلاد وأنا صغيرة وأنا في حضن ست كبيرة بعينين شبه عيني أبويا. جدتي. وفي صورة تانية، عمي شوقي واقف بعيد باصص للكاميرا بحدة غريبة. وقعت عيني على صورة متنية في آخر الألبوم صورة جماعية في بيت قديم، وكل الناس واقفين مبتسمين، إلا ميرفت. كانت باصة بعيد، كأنها خايفة.
في ضهر الصورة تاريخ قبل موت أبويا بأسبوعين.
قلبي دق بعنف. حسيت إن في حاجة لسه مستخبية. روحت لميرفت فوراً وقلت لها في إيه حصل قبل موت بابا وإنتي مخبياه؟. وشها اتشد. قالت بسرعة مفيش. لكني المرة دي مكنتش طفلة. قلت بحزم بلاش تخبوا عني أكتر من كده. سكتت شوية، وبعدها قعدت على الكنبة كأن رجليها مبقوش شايلينها. قالت بصوت متعب أمك مارينا مكانتش بس أختي. استغربت وبصيت لها. قالت كانت نصي التاني وكنا بنحب نفس الشخص.
الكلام وقع عليا زي الصاعقة. قالت إن هي وأمي حبوا أبويا وهم صغيرين، لكن أبويا اختار مارينا. وإن ميرفت يومها سابت البيت سنة كاملة عشان تبعد، لأنها كانت شايفة إن وجودها بينهم ظلم لنفسها. لكن لما أمي حملت
قعدت ساكتة فترة طويلة. مش مصدومة بالعكس. حسيت إن كل حاجة بقت مفهومة. نظراتها القديمة له، خوفها عليه، الحزن اللي عمره ما فارقها بعد موته. الست دي كانت بتحارب قلبها طول عمرها، وفي الآخر خدت رجل مكسور وبنت يتيمة ومسؤولية أكبر من عمرها.
بعد الليلة دي، قربت من ميرفت أكتر بشكل غريب. بقيت أشوف الإنسانة اللي ورا دور الأم. الست اللي ضحت حتى بحقها إنها تتحب علناً. لكن القدر كان لسه مخبيلنا ضربة جديدة.
بعد حوالي شهر، ميرفت بدأت تتعب. الأول قالت إنه إرهاق عادي، لكني كنت شايفة إنها بتنهج من أقل مجهود. مرة وقعت الصينية من إيدها، ومرة نسيت النار مولعة. صممت أوديها الدكتور، وهناك الدنيا وقفت. الدكتور طلب أشعات وتحاليل، وبعد أسبوع قال الجملة اللي كسرتني في ورم ولازم نبدأ علاج بسرعة.
أنا حرفياً حسيت الأرض بتتمرجح تحتي. بصيت لميرفت، لقيتها أهدى مني. حتى ابتسمت وربتت على إيدي وقالت ماتخافيش يا فوزية. لكني كنت مرعوبة. مرعوبة من فكرة إني أخسرها بعد ما لقيتها من جديد. الأيام اللي بعدها بقت كلها مستشفيات وريحتها الباردة، تحاليل، جلسات، وشعر بيقع على المخدة. وميرفت كانت بتحاول تفضل قوية عشاني.
عم صلاح كان واقف جنبنا زي الجبل، وأحمد وكريم بقوا يعاملوني كأني أختهم فعلاً، لكن التعب كان بياكل ميرفت واحدة واحدة. وفي ليلة مطر، زي الليلة اللي دخلت فيها حياتنا زمان، صحيت على صوتها بتناديني. جريت عليها، لقيتها قاعدة على السرير بتتنفس بصعوبة. مسكت إيدي وقالت عايزة أقولك حاجة قبل ما أمشي. صرخت فيها وأنا ببكي بطلي الكلام ده. لكنها ابتسمت التعبانة وقالت في ظرف في الدولاب لو حصلي حاجة افتحيه.
قضيت الليل كله جنبها في المستشفى، ماسكة إيدها ومش بنام. كنت بدعي بأي كلمة تيجي على لساني. لأول مرة أحس إني طفلة فعلاً وخايفة من الدنيا. وبعد أيام طويلة بين خوف وأمل، العملية نجحت. الدكتور قال إننا لحقناها في الوقت المناسب. يومها سجدت في طرقة المستشفى من الفرحة. رجعت ميرفت البيت أضعف بكتير لكن عينيها رجع فيهم نور صغير.
وفي يوم وهي نايمة، افتكرت الظرف. قاومت فضولي ساعات لكني فتحته. لقيت جواه رسائل كتير، كل رسالة مكتوب عليها سنة من سنين عمري. لفوزية لما تدخل المدرسة، لفوزية يوم الثانوية، لفوزية يوم جوازها. قعدت أرتعش وأنا بفتح أول واحدة. كانت رسائل
لكن أكتر رسالة قتلتني كانت
الأخيرة. لو بتقري دي بعد ما أمشي، يبقى عايزاكي تعرفي إنك أحسن حاجة حصلتلي في حياتي. أنا مجبتش أولاد من جوزي التاني عشان أعوض بيهم غيابك أنا كنت خلاص أم من يوم ما حضنتك أول مرة. ومتسمحيش لحد يقنعك إن الدم أهم من التربية. لأن في ناس بتخلف بس وناس بتربي روح.
قفلت الرسالة وفضلت أعيط لحد ما حسيت بإيد على كتفي. بصيت لقيت ميرفت واقفة ورايا. كانت ضعيفة، لكن مبتسمة. قالت بخبث وهي بتمسح دموعي يا بنت اللذينة بتفتشي ورايا؟. قمت حضنتها بقوة وقلت لها وأنا بترعش إنتي عمرك ما هتمشي وتسيبيني. فضلت ساكتة شوية، وبعدها همست حتى لو جسمي راح أنا عايشة جواكي يا فوزية.
والسنين عدت بعدها بشكل أهدى. بقيت كل جمعة أروح أنا وميرفت نزور قبر أمي مارينا ونحكيلها عن حياتنا. وكأنها لسه وسطنا. بقيت لما أبص لميرفت أشوف فيها الأم والخالة والصديقة والست اللي اختارتني فوق نفسها ألف مرة. وفهمت إن العيلة مش دايماً اللي بتجمعهم نفس الدم العيلة الحقيقية هي الناس اللي لما الدنيا تقع فوق دماغك، يقفوا تحت الركام يدوروا عليك بإيديهم